الجمعة، 23 أكتوبر 2015

الزاوية والمجتمع القبلي والمخزن


الزاوية والمجتمع القبلي والمخزن

(الزاوية الدرقاوية نموذجا)
عبد الله استيتيتو
  تمهيد :
 يقال : "إذا كانت بلاد المشرق هي بلاد الرسل والأنبياء، فإن بلاد المغرب هي أرض الصالحين والأولياء". هذه المقولة لم تولد من فراغ وإنما لها مبرراتها وبراهينها الواقعية والموضوعية المتمثلة أساسا في أركيولوجيا الزوايا والرباطات والأضرحة والمشاهد والمزارات التي تؤرخ لأولياء الله الصالحين في المغرب الذين احتضنتهم الأراضي المغربية بكل طبقاتهم ومقاماتهم جيلا بعد جيل وقرنا بعد الآخر، فغطوا بواديها وحواضرها، وملؤوا جبالها وسهولها، وعمروا شمالها وجنوبها وشرقها وغربها؛ وبذلك صارت الزوايا مدخلا من المداخل الرئيسة في حفريات ماضي المغرب بكل عناصره ومكوناته المادية والمثالية نظرا إلى تجذرها في أعماق المجتمع والدولة؛ بحيث لا يمكن فهم هذا الماضي دون استحضار هذا العنصر الذي ظل بمثابة نهر مسترسل يغذي باقي الحقول المعرفية الأخرى عبر روافد حية وقوية ساهمت في بلورة جزء كبير من مظاهره وقضاياه، وخاصة في بعض المناطق والجهات المغربية التي اعتبرت بمثابة مستنبت لشيوخ الزوايا ورجال التصوف وأهل المقامات والطرق، كما نلمس ذلك في جنوب شرق المغرب وخاصة بمنطقة تافيلالت.
2- الزاوية وجغرافية المقدس في المغرب
      يعتبر استقصاء الزوايا المغربية حلقة من حلقات أركيولوجيا جغرافية المقدس في بلاد المغرب، سواء ما بعد التواجد العربي الإسلامي في بلاد الأطلس، أو ما قبله؛ لأن المزارات والمشاهد والأضرحة المتواجدة بالأراضي المغربية لا تقتصر فقط على الفترة الإسلامية؛ بل سبقتها بقرون مطولة؛ بحيث تسجل لنا الأعمال التي تؤرخ لهوية وذاكرة المجتمع المغربي ما قبل الفتح العربي الإسلامي، أن المجتمع الأمازيغي ظل دوما مرتبطا بعدد لا يستهان به من المزارات المقدسة، منها ما هو وثني، ومنها ما هو يهودي، وقليل ما هو يسوعي([1]). وما زالت بعض المناطق المغربية لحد الآن تؤرخ لجغرافية المقدس ما قبل الإسلام كما هو معلوم في منطقة أسجن بشمال المغرب قرب مدينة وزان، وأيضا في موكَادور    (الصويرة) وفي مدينة سجلماسة التاريخية؛ حيث يتقاطر على هذه المناطق آلاف اليهود سنويا من أجل التبرك بمزاراتها ومشاهدها.
الخلفيات التاريخية للزوايا في المغرب ما قبل درقاوة
ارتبط ظهور الزوايا في المغرب الإسلامي أساسا بظروف سياسية وتاريخية واجتماعية خاصة، كالفراغات السياسية التي كانت تنتج عن غياب السلطة المخزنية المركزية، أو تعرض البلاد إلى كوارث طبيعية مزلزلة كموجات القحط والجراد والفيضانات، أو تعرض المجتمع لتهديدات خارجية حقيقية مشرقية وأوربية؛ فاستغل أهل الطرق وشيوخ الزوايا مختلف هذه الأوضاع في المغرب، وتحركوا من أجل تعبئة المجتمع واستنهاضه ضد ما يحدق به من أخطار. فاعتبرت مؤسسة الزاوية خاصية من خصائص تاريخ المغرب الذي لا يمكن تناول أية فترة منه، أو أي حدث من أحداثه، دون أن نأخذ بعين الاعتبار حضور الزاوية والطرق في تشكيل جزء كبير منه، وهو ما جعل الكتابات التاريخية حول المغرب تبقى متفطنة ومدركة ما لهذا المعطى من أهمية في تفسير الكثير من الظواهر والقضايا التي يحفل بها التاريخ المغربي، معتبرة أن الطرقية تبقى منذ قرون الشكل الأكثر عمومية والأكثر شعبية والأكثر حيوية في المغرب الإسلامي([2])، منذ أن اختمر الفكر الطرقي في البلاد المغربية وتجذر في أوساطه الشعبية بواسطة الطريقة الشاذلية على يد مؤسسها الأول أبي الحسن علي الشاذلي في القرن 13م([3])، فازداد دور الزوايا أهمية في تاريخ المغرب بعد القرن 14م  بفعل ضعف السلطة المركزية المخزنية المرينية والوطاسية من جهة، وبفعل الهجمات المسيحية الأيبيرية على الأراضي المغربية من جهة ثانية، وما كان لها من وقع في نفوس المغاربة الذين وجدوا في أهل الزوايا متنفسا لهم لقيادة عملياتهم الجهادية ضد الاحتلالات الأجنبية المتواصلة، ومن ثم بات من الصعب الفصل بين الديني والسياسي لدى هذه الزوايا وخاصة بعد ظهور الطريقة الجزولية التي أسسها زعيمها محمد بن عبد الرحمان بن أبي بكر الجزولي المتوفى عام 1465م/870هـ([4])، والذي ساند قيام الإمارة السعدية وكان من البدائل الهامة التي اعتمدها المغاربة للخروج من هول الصدمة الأيبيرية([5]) بعد احتلال العديد من المدن والمناطق المغربية كأﮔـادير(1405م) ومليلية(1509م) وسبتة (1415م) وغيرها([6]).
ترك الشيخ الجزولي العديد من المريدين والأتباع؛ مثل عبد العزيز التباع الذي يعد كبير تلامذته، وهو من الرجال السبعة في مراكش(ت.1508م). كما ظهر في نفس الفترة الشيخ زروق الذي كان حيا إلى غاية 1519م، والذي أسس الطريقة الزروقية. ومن بعده ظهر الشيخ مولاي عبد الله الشريف مؤسس الزاوية الوزانية، وهو من أحفاد يملح بن مشيش، الذي صادف ظهوره قيام الدولة العلوية بتافيلالت، وتوفي عام 1678م([7])، والذي لم تكن طريقته سوى  طريقة سلفه مولاي عبد السلام بن مشيش وتلميذه أبي الحسن علي الشاذلي. وفي العهد العلوي أيضا ظهرت بالمغرب" ثلاث طرق صوفية متتابعة اكتسحت الأرض كالأمواج المتوالية وغطت مجموع جهات المغرب، وهي: الناصرية والدرقاوية والتجانية"([8]).
كان للزاوية أدوار كثيرة في المجتمعات المغربية؛ كتفقيه الناس في أمور دينهم من خلال دروس الوعظ والإرشاد، وتلقينهم مفاهيم الطريقة من حيث الأوراد والأذكار التي تميزها عن باقي الطرق الأخرى، بجانب هذه المهام الدينية كانت الزاوية تقدم دروسا في الآداب والحكمة. أما في المناطق التي بها تمثيل ضعيف للسلطة المخزنية أو غياب لهذه السلطة، فإن الزوايا كانت تقوم فيها بالأدوار التحكيمية في النزاعات والخلافات بين القبائل([9])، وكانت تملأ الفراغ السياسي الذي يخلفه غياب السلطة المخزنية وخاصة في المناطق الحدودية النائية؛ مثل مناطق الجنوب الشرقي؛ بحيث لعبت الزوايا هناك أدوارا طلائعية في تأطير السكان واستنهاضهم ضد الغزو الفرنسي للأراضي المغربية، كما كان للزاوية حضور هام في تحديد مجالات الرعي والانتجاع وتوزيع المياه في المناطق الصحراوية، وبذلك فالزاوية تم الاعتراف بها كمكان مقدس، له حرمة لا يمكن انتهاكها بأي حال من الأحوال، فظلت قبلة للملهوفين، وملجأ آمنا للهاربين والفارين من التسلط المخزني أو من العقوبات الثقيلة المفروضة عليهم، الشيء الذي جعل الزوايا ذات حساسية كبيرة بالنسبة إلى ممثلي المخزن؛ كالخلائف والعمال والقياد، الذين بدأوا يتقربون منها لاستغلالها في ضبط مجالاتهم القبلية، فظل شيخ الزاوية دوما آلية من آليات استمرار قياد المخزن في القيام بوظائفهم؛ لأنه يضفي عليهم نوعا من الشرعنة، ويزكيهم لدى السلطان وخليفته ما دام هؤلاء الصلحاء والمرابطون يتوافرون على تزكية دائمة من خلال ظهائر التوقير والاحترام التي كان يخصهم بها سلاطين وملوك الدولة المغربية من حين لآخر([10])، إدراكا منهم للأدوار الحيوية التي تلعبها هذه المؤسسات بالنسبة إلى دعم السلطة المركزية في المجالات القبلية، التي كان من الصعب على المخزن اقتحامها لولا هذه الزوايا التي أسهمت في تحقيق الوحدة السياسية للبلاد في ظل التواجد المخزني، وخاصة بعد التغلغل الأجنبي في المغرب([11])، إلى درجة أن بعض شيوخ الزوايا تحولوا إلى قياد مخزنيين؛ كما كان الحال مع شيخ زاوية تازروالت ابن الحسين بن هاشم، الذي عينه السلطان مولاي الحسن قائدا على منطقة تازروالت عام 1886م/ 1304هـ، وبذلك استطاع التحكم في مجال قبلي ضخم وصعب المراس، يتكون من عدة قبائل غاية في الخطورة؛ مثل قبائل ماسا، وقبائل آيت باعمران، وقبائل مجاط، وأهل الساحل، وإيدا وطيط، وقبائل أخصاص، وغيرها([12])، ونفس الشيء قام به السلطان المولى الحسن الأول تجاه الزاوية الناصرية عندما عين عليها الشيخ محمد الحنفي لمساعدته على ضبط الشؤون الدرعية([13]).
الزاوية الدرقاوية: النشأة والتوسع
   تعود الجذور التاريخية للزاوية الدرقاوية إلى القرن 18م/12هـ، وذلك منذ تأسيسها في شمال المغرب بمنطقة أمجاط من قبل مؤسسها الأول، وهو مولاي العربي الدرقاوي، شريف من أصل بني زروال، عاش في الفترة ما بين1732م/1150هـ و1823م/1239هـ([14]). يطلق اسم درقاوة على كافة أتباع الزعيم الروحي للطريقة الدرقاوية أبي عبد الله محمد بن يوسف أحد شرفاء الآدارسة، والذي كان يعرف أيضا بـ"بودرقة"؛ أي صاحب الدَّرَّاقة، وهي واقية تقيه من السهام أثناء المعامع والحروب، فكان دوما ملازما لهذه الدراقة إلى أن توفي على ضفاف نهر أم الربيع بالشاوية في المنطقة المعروفة ببلاد تامسنا([15]).
منذ أن تأسست هذه الزاوية  في المغرب، انخرطت بقوة في الحقل الديني، قبل أن تمزج ما بين السياسي والاجتماعي والروحي على خلفية الأحداث التي عرفها المغرب والجزائر خلال النصف الأول من القرن 19م/13هـ، وخاصة التدخل الفرنسي في الجزائر 1830م/1246هـ، وتحرش السلطات الفرنسية بالبلاد المغربية، في وقت بدا فيه المخزن دون مستوى المرحلة، بعدما انهزم أمام القوات الفرنسية في معركة إيسلي (1844م) والتي كانت فيها الخسارة على كل الأصعدة، والتي أعطت، أيضا، الضوء الأخضر لباقي مكونات المجتمع لسد الفراغ المهول الذي بات يفرزه الضعف المخزني، سيما بعد التنازلات الخطيرة التي قدمتها السلطة المخزنية للمحتلين الأجانب من خلال اتفاقية للامغنية 1845م/1262هـ؛ مما جعل الزوايا تتعملق في المجتمع وتتجذر في أنسجته، فالتفّت العديد من الشرائح الاجتماعية حول المتصوفة وأهل الطرق والزوايا، وخاصة الزاوية الدرقاوية التي أعلن ممثلوها ( شيوخ، مريدون، أتباع، طلبة، متعاطفون...) عن رفضهم القاطع لتفويت أجزاء من بلاد الإسلام إلى السلطات المسيحية في الجزائر، وبهذا الموقف الراديكالي غير القابل للتململ تجاه النصارى صار مد الزاوية قويا، فوصل صيتها وإشعاعها إلى بلاد الجزائر نفسها؛ بل تعدى القطر الجزائري فتبناها أهالي تونس، ثم أهالي طرابلس وحتى المصريون، وأكثر من ذلك، صارت من بين الطرق الأكثر شعبية في بلاد الحجاز؛ وهو ما أكسب المقيمين عليها حرمة كبيرة وهيبة عظيمة في الأوساط الشعبية وداخل الدوائر السياسية العليا للسلطة المخزنية نفسها، التي باتت تأخذها على محمل الجد، وتعاملها كطرف له وزنه في الساحة السياسية، ويلعب دورا طلائعيا في تأطير الجماهير وضبطهم، ومن ثم بدأت السلطة المركزية تفكر في كيفية مهادنتها واحتوائها([16]).
تعد الطريقة الدرقاوية مذهبا صوفيا سنيا لا يشترط الخلوة والانزواء في المغارات والكهوف، ولا يقر الانطواء على الذات في قمم الجبال وتخوم الفيافي، كما أنها طريقة لا تعول على الممارسة الماضوية، ولا تقبل بمظاهر الشعوذة والابتداع والمروق عن المذهب السني؛ بل هي طريقة واقعية تؤكد على عبادة الله بالشكل الصحيح، وخشيته سرا وعلانية، كما تلتزم بالتباع النبي محمد (ص) في أفعاله وأقواله وتقريراته، والتشبث بسنته، والتحلل من أمور الدنيا، والرضا بقدر الله وقضائه، والتوكل عليه وحده في السراء والضراء. أما كل من حاد عن هذا الخط، وخالف هذا النهج،  فهو لا ينتسب إلى هذه الطريقة لا في الشكل ولا في الجوهر؛ وبذلك يظهر أن الدرقاوية استضمرت الملامح الكبرى للطريقة الشاذلية التي انتشرت في المغرب منذ القرن 13م على يد شيخها أبي الحسن علي الشاذلي، تلميذ مولاي عبد السلام بن مشيش([17])، والذي يعود إليه الفضل في تفريخ عدد هائل من الزوايا والطرق الصوفية في المغرب تسير على النهج الشاذلي.
انتقال الفكر الدرقاوي إلى جنوب شرق المغرب:
 راهنت الزاوية الدرقاوية كثيرا على مفهوم الجهاد، والاعتزاز بالإسلام والموت من أجل حماية داره والحفاظ عليه، فانتقل ثقلها من المناطق الداخلية للمغرب إلى المجالات الحدودية؛ كما هو الحال في جنوب شرق المغرب، في ظرفية صعبة وعسيرة اتسمت بالتحولات الدولية التي أثرت بشكل واضح على المغرب، وخاصة المنافسة المسعورة بين الدول الأوربية حول المستعمرات في إفريقيا وآسيا، فبدأت الإيالة الشريفة تخضع لضغوط استعمارية على شتى الأصعدة، واتخذ المستعمر عدة وسائل وأساليب للتوغل في بلاد المغرب كالوسائل المالية والتجارية والدبلوماسية والدينية( التبشير) وحتى العسكرية، للضغط على السلطة المخزنية من أجل تقديم المزيد من التنازلات تجاهه والقبول بمخططاته وإملاءاته، وخاصة بعد احتلال الفرنسيين للجزائر عام 1830، وشروعهم في توسيع مستعمرتهم الجديدة غربا على حساب التراب المغربي. كان ذلك من بين العوامل الحاسمة في استقطاب الفكر الطرقي جنوب شرق المغرب، وتكتل القبائل حول شيوخ الزوايا وأهل الطرق هناك من أجل مجابهة الفرنسيين والتصدي لهم([18])؛ ومن أهم الطرق التي بات لها حضور وازن في تلك المجتمعات القبلية، نجد الطريقة الدرقاوية التي أصبح لها وجود وحضور مؤسساتي، وخاصة في منطقة مدغرة التي تعتبر صاحبة الفضل الأول في انتقال الفكر الدرقاوي من شمال المغرب(فاس) نحو الجنوب الشرقي وذلك عن طريق ابن القاضي المدغري الشهير، سيدي محمد بن الهاشمي. هذا الابن هو سيدي محمد بن العربي([19]) المزداد بقصر مدغرة  عام 1801م/1216هـ، وينحدر من أسرة شريفة لها مكانتها المتميزة ضمن باقي أهالي منطقة مدغرة والرتب وقصر السوق وكل التجمعات السكانية على ضفتي زيز الأعلى والأوسط([20]).
 تفيد الروايات التاريخية أن سيدي محمد بلعربي توجه إلى جامع القرويين بفاس  للتبحر في العلوم والاحتكاك بأهل الصنائع وفطاحل الشيوخ. وبعد دراسته في العاصمة العلمية لمدة طويلة عاد إلى بلاد مدغرة، على الضفة اليسرى لزيز الأوسط وهو يتحرق شوقا لنشر ما تيسر له من العلم والمعرفة بين أهاليه، سيما وأنه تأثر في فاس بالفكر الصوفي الدرقاوي، فأسس قرب مسقط رأسه زواية رحمة الله الدرقاوية، ثم أسس زاوية ثانية في تافيلالت جنوب السفالات وهي زاوية ﮔـاوز قرب قصر تينغراس التاريخي، فاتخذ سيدي محمد بلعربي زاوية رحمة الله مقرا له، وعُرف بـ"الرجل الصالح الناصح المخلص العابد الزاهد الداعي إلى ربه بقلبه وقالبه...وكان من التواضع وعدم الاستشراف للرياسة بالمكانة التي يغبط عليها...فقد كان هذا الشريف كله غيرة وشعلة نار في وجوه المستعمر وهو من عباد الله الصالحين"([21])، ولهذه المكانة العلمية والروحية والخصال العالية، صار لسيدي محمد بلعربي في المنطقة صيت قوي، جعل الطلبة والمريدين يتوافدون عليه من كل ضواحي الجنوب الشرقي المغربي، ومنهم من كان يتقاطر عليه من جنوب غرب الجزائر المحتلة؛ بل إن شهرة هذا المتصوف المدغري الدرقاوي سرعان ما طفقت الآفاق ووصلت إلى بلاد الكنانة وبلاد ما بين النهرين؛ إذ وفد عليه أهالي بغداد في زاوية رحمة الله للأخذ عنه والاغتراف من مناهله، فصار وحيد منطقته على مستوى الأتباع والشهرة، كما أضحى تلامذته يعدون بالآلاف([22]).
  أصبحت الزاوية الدرقاوية أهم مكون للحقل الصوفي والمشهد السياسي في جنوب شرق المغرب، وصارت مؤهلة للعب أدوار حاسمة في الدعوة إلى الجهاد ومكابرة الأعداء المسيحيين، إلى حد أن إشعاعها الروحي ونفوذها السياسي ألقيا بظلالهما على الأدوار المخزنية في مجتمعات الجنوب الشرقي؛ لذلك لم تتوان السلطة المخزنية بتافيلالت في مغازلة الزاوية الدرقاوية في ﮔـاوز([23])، وخاصة بعد ما انتقل ثقلها إلى داخل القصور الفيلالية، وبات لها العديد من الأتباع هناك، فلم يعد بالإمكان الفصل بين أدوارها السياسية والروحية([24]) بعد ما اتضحت النوايا السيئة للأوربيين تجاه المغرب غداة حربي إيسلي وتطوان، وما وازاهما من اتفاقيات ومعاهدات مذلة للسيادة المغربية؛ مثل معاهدة للا مغنية 1845م والاتفاقية المغربية الإنجليزية 1856م والاتفاقية المغربية الإسبانية 1860-1861م والاتفاقية المغربية الفرنسية 1863م وصولا إلى مؤتمر مدريد1880م الذي فرض الحمايات القنصلية على المخزن، وفوت جزءا من المجتمع المغربي لصالح الأجانب.
الزاوية الدرقاوية والدعوة إلى الجهاد:
 أمام هذه الدسائس الخطيرة التي كانت تحاك ضد المغرب بهدف السيطرة عليه والتدخل في شؤونه، وبعد إقرار المخزن المغربي بالأمر الواقع تحت ذريعة عدم السباحة ضد التيار الجارف، قام سيدي محمد بلعربي الدرقاوي  بدق ناقوس خطر الوضع السياسي في المغرب، منبها لمخاطر التواجد الأوربي على السواحل المغربية بدعوى القيام بالأنشطة الاقتصادية التجارية والفلاحية، مؤكدا أن الوضع يستدعي تأهب المجتمع لممانعة النصارى، ومحذرا الناس بأن "مقدمة البوار الأمن من عدو الدين وعدم المبالاة بما يفعله في أرض المسلمين، وترك التفطن إليه حتى يصير يأمر وينهى ويمتثل أمره في سواحل أهل الإيمان والدين، ولا يتفطن إليه وينتبه حتى يتفاقم الواقع ويتسع الخرق على الرقع"([25])؛ كما دعا إلى الجهاد ومحاربة النصارى وعدم الالتزام بالاتفاقات والمواثيق التي وقعها المخزن معهم، بعد ما اكتوى بنيرانها نظرا إلى قربه من الحدود الجزائرية، فشرع في مكاتبة قصور مدغرة، وتافيلالت، والرتب، والزوزفانة، والساورة، وﮔـير، وصولا إلى فـﮔـيگ، "مكاتب كلها حث وتحريض على الدفاع عن الإسلام وحماية الوطن"([26])،  وبدأت رسائله الجهادية تقتحم مجالات قصية ومجتمعات نائية "كأهل سوس والصحراء وقبائل البربر كبني مـﮔـيلد ونحوهم [ يأمرهم ] بالتحريض على الجهاد والنهوض إليه"([27])، ودعا إلى مقاطعة البضائع الأجنبية وعدم المتاجرة مع النصارى، بعد ما لاحظ أن الفرنسيين يتخذون من التجارة سبيلا للتغلغل في الأراضي المغربية ومخالطة المغاربة وتعويدهم على معاشرتهم والتعامل معهم في انتظار السيطرة النهائية على البلاد المغربية، فأصدر في هذا الشأن عددا من الفتاوى يحرم فيها هذا التعامل ويحظر فيها هذه التجارة، حاثا كافة القبائل والحواضر على عدم تمكين العدو من سلع حيوية "من خيل وإبل وبارود وشياه وبهائم وثياب وصوف وغير ذلك، بعد ما بلغنا أنهم قطعوا الكبريت على المسلمين منذ زمان وكثرت علينا الأخبار والمراسلات بهذا الأمر، ولم يبالوا ولم يتنبهوا ولا تفطنوا لما أصابهم، وأحزننا ذلك غاية وأكربنا غاية...وخفنا على ما بقي من هذه الأمة أن يقع لها ما وقع لجزيرة الأندلس وغيرها من مدن الإسلام"([28])، ولم يفت هذا الشريف المدغري التنديد الشديد بكل من يعمل لدى الفرنسيين من أبناء تافيلالت وأهالي الجنوب الشرقي ضمن الأوراش الخاصة بمد السكك الحديدية شرق فـﮔـيگ، وتعبيد الطرق غرب الجزائر، فأصدر في هذا الصدد أيضا فتاوى تحرم ذاك العمل وتجعله باطلا ومغضبا لله ولرسوله، فكان يحذر القبائل الفيلالية وغيرها "من إعانة النصارى بأي خدمة كانت"([29])، فكان لنداءاته وقع كبير في نفوس السكان بالمناطق الحدودية، إلى درجة أن السلطات الفرنسية استشعرت مدى التجاوب الكبير الذي أبدته القبائل تجاه هذا المرابط، وخاصة عند ما بدأ ينشر بعض المناشير تدعو المجاهدين إلى التصدي للنصارى الفرنسيين ليس فوق التراب المغربي وحسب؛ بل داخل التراب الجزائري أيضا، باعتبارهم كفارا يهددون الإسلام في المغرب بعد ما اقتحموه في الجزائر([30])، مما جعل السلطة الفرنسية تتابع باهتمام زائد أنشطة الشيخ المدغري، وترصد حركاته وسكناته عبر عيونها المبثوثة في جنوب شرق المغرب؛ إذ أشار القنصل الفرنسي في طنجة يوم 12 أبريل 1888م أن لمولاي العربي الدرقاوي اتصالات ومكاتبات مكثفة مع القبائل الصحراوية من سوس إلى وادي نون، وأن مجمل القبائل استجابت لدعواته([31])، ناهيك عن اتصاله بقبائل آيت عطا وآيت يافلمان؛ بل كانت له مراسلات خارج الإمبراطورية الشريفة في اتجاه الجزائر،  وتونس، وطرابلس، ومصر، وكانت مضامين هذه المراسلات تتمحور حول الدعوة إلى الجهاد والتنديد بالمخزن المغربي الذي وُصِف بالرعديد والجبان والمتردد في اتخاذ موقف حازم تجاه الفرنسيين الغزاة، وأن على السكان بكافة أطيافهم أن يأخذوا المبادرة بأنفسهم، ويهُبّوا للدفاع عن شرفهم دون انتظار أوامر من السلطة المركزية([32])؛ مما جعل المغرب يخضع لانتقادات خارجية لاذعة وخاصة من قبل الفرنسيين([33])، الذين مارسوا ضغوطات شديدة على السلطان مولاي الحسن(1873-1894م)، حاثين إياه على لجم الشيخ المدغري، الشيء الذي أحرج كثيرا الأجهزة المخزنية، التي بادرت إلى طمأنة الفرنسيين بأن القبائل الحدودية تحت سيطرة المخزن ولا تأبه بدعاوى الدرقاوي، وهي تحترم الهدنة الموقعة بين الطرفين([34])، كما أن بوعمامة الجزائري استغل هذه الأجواء الجديدة على خلفية مؤتمر مدريد واستطاع سنة 1881م/ 1299هـ أن يؤلب عددا هاما من القبائل المغربية ضد القوات الفرنسية في منطقتي الزوزفانة وفـﮔـيگ "خصوصا وأن صورته كزعيم لآخر مقاومة في الجزائر كانت لا تزال حية في أوساط القبائل المتعطشة لمثل تلك الزعامة"([35]). قام الثوار يهاجمون سلطات الاحتلال غرب وهران، فوجدها الفرنسيون فرصة من ذهب لفرض إملاءاتهم على المخزن وإخضاعه للأمر الواقع، من خلال بناء عدد من المراكز العسكرية المتقدمة بدعوى حماية المعمرين من هجمات الثوار الصحراويين؛ مثل مركز عين الصفراء، ومركز جنين بورزگ على بعد 50 كلم من فـﮔـيگ([36])، وبذلك ازدادت القبائل الحدودية تيقنا من النوايا الخطيرة للفرنسيين، فشرعت في استجماع قواها وتوحيد صفها عن طريق إحياء عهد "الخاوا" والقوانين العرفية المنظمة له([37])، وبدأت في شراء الأسلحة والبحث عنها بكافة الوسائل؛ كمهاجمة بعض المراكز الفرنسية والسطو على عتادها، فصارت الأجواء منذرة بانفجارات مهولة إذا لم يتم التصدي لها بنوع من الحزم والصرامة، سواء بالمناطق الحدودية في المجالات الخباشية والمنيعية، أو بالمناطق الداخلية كما هو الحال في مجالات اتحادية آيت يافلمان([38]).
الزاوية الدرقاوية والسلطة المخزنية  
استغل الشيخ المدغري كل هذه الظروف التي كانت تصب في صالحه، وكثف من مراسلاته ودعواته الجهادية، منتقدا في نفس الوقت موقف المخزن من الأخطار المحدقة بالسيادة المغربية، فلقيت نداءاته تجاوبا كبيرا من قبل المجتمعات القبلية في الجنوب الشرقي شملت قصور تافيلالت، والرتب، ومدغرة، وقصور فركلة، وتودغة، وصولا إلى مناطق الساورة، وسوزفانا، وأعالي ﮔـير؛ وبذلك أضحت أهم التكتلات القبلية الممتدة من السفوح الجنوبية الشرقية للأطلس الكبير إلى غاية الحدود المغربية الجزائرية متعاطفة إلى حد كبير مع الفكر الدرقاوي، ومعادية للتصور المخزني، ولم يعد بإمكان مولاي رشيد، الخليفة السلطاني في تافيلالت، أن يتجاهل خطورة هذه التكتلات وانعكاساتها على السلطة المخزنية محليا ومركزيا، الشيء الذي جعله لا يتردد في إشعار أخيه السلطان مولاي الحسن بالوضع المرير والظرفية الدقيقة التي تمر بها المنطقة؛ لذا فإن السلطان لم يتوان عام 1882م/1300هـ في تنظيم حرْكة سلطانية قوية ضد المناطق المعنية، وخاصة ضد القبائل العطاوية وقبائل آيت يافلمان، لكبح جماحها وتطويعها([39])؛ كما حاول احتواء الفكر الدرقاوي ومحاصرته عبر بث التفرقة في صفوف أتباع ومؤيدي مولاي محمد بلعربي المدغري، من خلال التركيز على العناصر الشريفة وتقريبها من الأجهزة المخزنية، ناهيك عن إرساله لجملة من الرسائل السلطانية إلى أهالي تافيلالت يحثهم فيها على عدم إتباع الشيخ المدغري واصفا إياه بـ"الشخص الشرير الذي يقود المسلمين إلى الهلاك...وأنه عنصر للفتنة الذي لا يتبع طريق الشريعة"([40])؛ لكن المسألة كانت أعمق مما تصورته الأجهزة المخزنية؛ لأن جل فئات الصلحاء، والشرفاء، والعلماء، والفقهاء، كانت تسير في نفس الخط الذي سار عليه الشيخ المدغري فيما يتعلق باستنهاض الهمم والتحريض على الجهاد "فالتفَّت حولهم القبائل الأمازيغية والعربية لاعتقاد أبنائها الراسخ بصحة مواقفهم، باعتبارها مبنية على الكتاب والسنة، فلم يترددوا في الالتحاق بدعوة أي شريف، أو عالم، أو متصوف، رفع راية الجهاد"([41]).
 إن هذا الانتشار الكبير للفكر الدرقاوي في الجنوب الشرقي المغربي، جعل السلطة المخزنية تزاوج في تعاملها معه : تارة بالتقرب والمحاباة وتقديم التنازلات والامتيازات، وتارة أخرى بالتهديد والترهيب والوعيد، وهكذا حاول المخزن مقايضة مواقف مولاي العربي الدرقاوي عبر عطايا جزيلة مغرية؛ حيث خصص له السلطان مولاي الحسن منة حولية قدرها أربعون قنطارا من الحبوب، وكانت قيمة كل قنطار زهاء 1250 فرنكا فرنسيا؛ أي ما مجموعه خمسون ألف فرنكا فرنسيا في كل حول([42])، وبذلك حاولت الأجهزة المخزنية أن تحتوي زاويتي ﮔـاوز ورحمة الله الدرقاويتين كما احتوت الزاوية الزروالية في القنادسة([43]).
لكن هذه المحاولات المخزنية لم تحقق النجاحات المنتظرة منها بسبب اعتبارات موضوعيات وواقعية، أهمها تزايد حدة التغلغل الفرنسي في الحدود الجنوبية الشرقية، وخاصة في واحة توات. فازدادت بذلك خيبة القبائل الحدودية، وارتفعت حدة درجة احتقانها تجاه الأجهزة المخزنية المحلية والمركزية؛ مما حدا بقائد توات إلى طلب العون من الخليفة السلطاني مولاي رشيد في تافيلالت، حاثا إياه على ضرورة التعجيل بالقضية التواتية قبل فوات الأوان؛ بيد أن الوضع في تافيلالت كان يغلي فوق صفيح ساخن من جراء الفيضان المهول الذي خلفه وادي زيز في نهاية عام1886م/ 1305هـ الذي غمر العديد من القصور، وجرف المقابر، والأسوار، والحصون، والدور"ولم تبق بقعة إلا غرقت، ولا ساكنة إلا تحركت"([44])؛ وتلاه في العام الموالي تعرض المنطقة لموجة جراد خطيرة لم تعرف نظيرا لها، أتت على الأخضر واليابس، ولم تترك للناس مزروعا ولا مغروسا إلا قضمته، فقلت المحاصيل وجاع الناس ووَبَأوا([45] )، مما جعل كثيرا من الفئات المتضرر تتململ ضد مولاي رشيد، مطالبة المخزن بإعادة بناء قصورها وترميم أسوارها وحصونها، وتوفير ما يلزم من المؤن والحبوب والثمور، فكادت الهيعة أن تقوم لولا أن السلطان مولاي الحسن طمأن أهالي تافيلالت أنه سيزورهم في القريب العاجل([46])، كما أعطى أوامره لخليفته مولاي رشيد بالعمل على البدء في ترميم ما دُمر، وإصلاح ما خُرب([47] ).
كل هذه العوامل كانت تصب في صالح المسار الذي خطته الزاوية الدرقاوية لنفسها في علاقتها مع المجتمع القبلي والمخزن، فتقوى صفها، وانتشرت أفكارها وآراؤها، وعلت كلمتها، وباتت طريقتها تشكل تيارا سياسيا، وفكرا إيديولوجيا، يتعارض مع التصورات المخزنية فيما يتعلق بمعالجة القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لسكان الجنوب الشرقي.
 هذه الأجواء المحتقنة في تافيلالت وضواحيها، لم يكن بمقدور الأجهزة المخزنية المحلية احتواؤها والسيطرة عليها، مما حتم على الجهاز المخزني التحرك بشكل مستعجل لتدارك الأمور قبل فوات الأوان؛ وبذلك نظم السلطان حركة عسكرية في اتجاه الديار الفيلالية، هدف من خلالها إلى تطييب الخواطر والتقليل من فورة السكان، وإرجاع المياه إلى مجاريها، وذلك إدراكا منه لمدى أهمية هذه المنطقة في ترسيخ دعائم حكمه؛ لذا زاوج في تعامله مع أهاليها -خلال هذه الزيارة وغيرها- بين أسلوبي الترهيب والترغيب؛ حيث ضرب خيام محلته أولا قرب قصري الريصاني وبوعام، وثانيا في المجال الممتد ما بين قصور الماطي، وتازكَزوت وزاوية سيدي الغازي. فأبدى للسكان حسن نيته في تعاطيه مع قضاياهم وشؤونهم؛ وذلك من خلال العطايا والهبات التي قدمها لهم والتي بلغت قيمتها مبالغ هامة جريا على عادة السلاطين العلويين الذين يبدلون سخاء كبيرا تجاه مهد دولتهم بتافيلالت([48])، ناهيك عن اهتمامه بترميم القصبات وتشييد القصور والمساجد، ومساعدة الأهالي على مد السواقي وحفر الترع، وحمايتهم من هجمات القبائل المجاورة([49]).
لكن هذه الزيارة السلطانية للريصاني لم تحقق نتائجها المرجوة بخصوص القضايا الحدودية، وخاصة مسألة توات التي وصلت إلى عنق الزجاجة، فكانت هذه الزيارة بمثابة صب الزيت على الفتيل داخل المجتمعات القبلية التي تعنيها الأزمة بشكل مباشر، والتي لم يبق أمامها سوى خيار الاعتماد على النفس والاستعداد للجهاد ومكابرة العدو النصراني، في الوقت الذي طفا على الساحة السياسية المغربية نقاش ساخن بخصوص الإصلاحات الجبائية الجديدة التي يعتزم السلطان إحداثها، ولا سيما مشروع "ضريبة الترتيب" الذي تم إعداده عام 1886م/1304هـ، الهادف إلى تضريب كافة الفئات الاجتماعية بما فيها الشريف والمشروف، يسهر عليه الأمناء والعدول بدل القياد والعمال؛ لكن هذا الإصلاح الضريبي سمي بـ"الإصلاح المستحيل"؛ نظرا إلى رفضه من قبل الشرفاء، والخاصة، والقياد، والعمال، والخلائف([50])؛ كما أن المحميين والأجانب كان لهم النصيب الأوفى في إثناء السلطان عن هذا النظام بعد الضغط عليه من قبل الحكومات الأجنبية؛ كبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإسبانيا، وغيرها، التي كانت لها أطماع ومصالح كثيرة في الإمبراطورية الشريفة([51]).
 ازداد الوضع احتقانا في المغرب عامة وفي الجنوب الشرقي خاصة، وانعكس ذلك بشكل آلي على السلطة المخزنية في تافيلالت وضواحيها، ومنح الفئات المناوئة للمخزن فضاء أوسع وأرحب، وخاصة بالنسبة إلى الشيخ مولاي بلعربي الدرقاوي وأتباعه، وبعض القبائل الحدودية المتضررة من السياسة الفرنسية؛ مثل القبائل المنيعية والقبائل الخباشية، ناهيك عن الشيخ بوعمامة الذي ضيق عليه الفرنسيون كثيرا بالمناطق الحدودية المغربية-الجزائرية بعد بنائهم لسلسلة من المراكز العسكرية فوقها، مما دفع بوعمامة إلى التوجه نحو تافيلالت قادما إليها من تيكورارين، فحل ضيفا على الشيخ الدرقاوي  بزاوية ﮔـاوز، هذا الأخير كانت رسائله تصل إلى بشار وفـﮔـيگ ووهران وغيرها من المناطق في المغرب وداخل الجزائر المحتلة، فطلب منه بوعمامة العون والمساعدة لحركته الجهادية ضد النصارى؛ لكن بوعمامة لم يفلح في تحقيق أهدافه من خلال هذه الزيارة نظرا إلى الشبهات التي كانت تدور حول حركته، وبفعل تقلبات مواقفه بين التعامل مع النصارى ومجاهدتهم، كما أن الضغط الذي مارسه الخليفة مولاي رشيد على الشيخ المدغري المعتل بزاويته، كان من العوامل التي أفشلت مساعي بوعمامة الذي عاد إلى تيكورارين خاوي الوفاض([52]).
وفاة الشيخ الدرقاوي وقيادة تلامذته للمجتع القبلي جنوب شرق المغرب:   
 في هذه الظرفية الصعبة جنوب شرق المغرب، ألمت فاجعة كبرى بالمجتمع القبلي وبكافة العناصر الدرقاوية، بسبب وفاة شيخهم القطب مولاي محمد بلعربي الدرقاوي المدغري عام 1892م/1310هـ، فأحدثت وفاته ارتباكا في أحد أنشط فروع الطريقة الدرقاوية في كافة أنحاء الإمبراطورية الشريفة([53])؛ لكن الذي زاد من هيعة أتباع الشيخ الدرقاوي هو ما وصى به أبناءه فيما يتعلق بقيادتهم للزاوية؛ حيث أمرهم بعدم تزعمها، كما ألح عليهم في التخلي عن قيادتها([54])، وهو الأمر الذي جعل كل مريديه وتلامذته وأتباعه والقبائل المتعاطفة معه، يصابون بنوع من الذهول لغرابة هذا القرار وعدم واقعيته من جهة، ولخطورته من جهة ثانية؛ لأنه جاء في ظرفية دقيقة للغاية كان المجتمع القبلي في الجنوب الشرقي أحوج ما يكون لأبناء الشيخ؛ بغية قيادتهم وجمع كلمتهم أمام الضغط الفرنسي والتهديد المخزني المتزايدين([55])، فساد كثير من الحزن والأسى كافة أتباع الطريقة الدرقاوية، سيما وأنها كانت قد تجذرت في عمق المجتمعات القبلية برمتها وذلك بتفريخها لما يربو عن ثلاث وأربعين زاوية  انتشرت في دادس، وتودغة،  وفركلة ومدغرة، والرتب، وبوذنيب، وفي أغلب القصور الفيلالية([56]).
اعتقد المخزن المركزي والمحلي أن وفاة شيخ الزاوية الدرقاوية في تافيلالت سيهون عليه موقف القبائل في الجنوب الشرقي، فنظم السلطان مولاي الحسن زيارة لتافيلالت للمرة الثانية عام 1893([57])، حيث قام بمعاقبة الذين وردت عليه في شأنهم بعض المراسلات الخليفية؛ كالدرقاويين والمتعاطفين معهم، الذين باؤوا بسخطه وغضبه، فنكل بالكثير منهم، وانتقم منهم غاية الانتقام، إلى درجة أن مرافقه الطبيب الفرنسي ليناريس(Linares) وصف شيخ الزاوية الدرقاوية سيدي محمد بن أحمد أنه صار يعيش في حالة من العزلة والتهميش والمذلة في زاويته"مثل كلب في دار مهجورة"([58]).
   لكن السلطة المخزنية غاب عنها أن الفكر الدرقاوي الذي ثابر شيخ الزاوية الدرقاوية في تافيلالت على نشره، قد أثمر عددا هائلا من المريدين والأتباع المخلصين له غاية الإخلاص، والذين تمركزوا في الجنوب الشرقي، كل في مجال قبيلته، للعمل على استنهاض السكان على محاربة النصارى، ورفع راية الجهاد، وعدم الاعتراف بالسياسة المخزنية المهادنة للمستعمر؛ لذلك فرخ الجنوب الشرقي عددا لا يستهان به من رجال درقاوة الذين أسسوا جملة من الزوايا على الطريقة الدرقاوية، كزاوية دويرة السبع في المجال السغروشني التي أسسها زعيمها مولاي أحمد ولحسن السبعي السغروشني الذي يعتبر واحدا من التلامذة المخلصين للشيخ سيدي محمد بلعربي الدرقاوي([59])؛ حيث تتلمذ على يده لأيام طويلة في زاوية رحمة الله بمدغرة وزاوية كَاوز في تافيلالت، وكانت له به معرفة شخصية دقيقة، وكان يكن له احتراما ما بعده احترام. ثم هناك زاوية فركلة بقيادة الفقيه الشيخ سيدي علي الهواري الذي كان من الأتباع المخلصين للشيخ المدغري([60])، وزاوية تودغة التي كان يترأسها الفقيه أحمد المهدي الناصري([61])، ناهيك عن زوايا أخرى في كل من بومالن دادس، وقلعة مكَونة، وكَلميمة، وقصر السوق، والريش وغيرها من المناطق الأطلسية التي تشبعت بالفكر الدرقاوي، وتأثرت به منهجا وسلوكا، سيما وأن بداية القرن 20 امتازت باقتحام الفرنسين للجنوب الشرقي المغربي، فتحول هؤلاء الفقهاء وشيوخ الزوايا إلى زعماء قبليين ورجال بارود، وأصبحوا قادة للمجتمعات المغربية جنوب شرق المغرب، وخاضوا معارك مشهورة في الهوامش الصحراوية، كما هو الحال بالنسبة إلى مولاي أحمد ولحسن السبعي، الذي قاد معركة عديدة، مثل معركة المنابهة، والمنكَوب، و بوذنيب، وبوعنان، والجرف، وإفري، ومسكي الأولى والثانية، والمعاضيد([62] )، والذي استمر في قيادة المجاهدين ضد النصارى وكل من يسير في فلكهم إلى غاية 1917 عند ما سيطر الفرنسيون على الجنوب الشرقي المغربي بما في ذلك منطقة تافيلالت، قبل أن يتم طردهم منها في العام الموالي لتدخل الكثير من القبائل تحت سلطة متصوف آخر ذي نزوع سياسي، وهو مبارك بن الحيبن التوزونيني السوسي، ومن بعده خليفته بلقاسم النكَادي، وهما معا لم يخرجا عن الفكر الناصري والدرقاوي([63]).
   وبذلك يبدو أن الزاوية لعبت أدوارا حاسمة في تاريخ المغرب الحديث من خلال تأطيرها للمجتمع القبلي في الجنوب الشرقي المغربي لما يربو عن قرن من الزمن، واستطاعت أن تفرض نفسها على السلطة المخزنية محليا ومركزيا، كما أثرت بعمق على توجهات ومخططات السلطة الكلونيالية، التي اضطرت في كثير من الأحيان إلى تعديل استراتيجياتها وأهدافها بفعل الضغوط التي مارستها عليها مؤسسة الزوايا في مختلف المجتمعات القبلية.
منقول من مصدره:

http://www.aljabriabed.net/n94_06stitou.htm

الهوامش والإحالات:

[1]-Gabriel camps, Les Berbères: Mémoire et identité,2°Editions Errance, Paris, 1987, pp.143-195.
[2]-Terrasse H, Histoire du Maroc des origines à l'établissement du Protectorat, Casablanca, T.2, 1950, p.373.
[3]- هو أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار الشاذلي، ولد في قبيلة غمارة عام 1196م، وله نسب إدريسي. درس بفاس، والتقى فيها بتلاميذ الشيخ أبي مدين، ثم سافر إلى بغداد، فأوصاه أبو الفتح الواسطي هناك بالعودة إلى المغرب حيث يوجد قطب صوفي يتولى مشيخته، فعاد إلى جبل لعلام، وأصبح التلميذ الوحيد لمولاي عبد السلام بن مشيش، فانتقل بعد ذلك إلى منطقة شاذلة في تونس، وقضى بها ردحا من الزمن حتى سمي باسمها، وصار يعرف بالشاذلي، وتوفي عام 1258م. انظر، زكية زوانات، ابن مشيش شيخ الشاذلي، ترجمة من الفرنسية إلى العربية أحمد التوفيق، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2006، ص ص127-128.
[4]-هو أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمان بن أبي بكر بن سليمان، بن داود، توفي عام 1465م، وهو من قبيلة جزولة بسوس الأطلس الصغير، درس بفاس بمدرسة الصفارين، ثم رحل إلى تونس والمشرق، وعاد بعد عدة أعوام إلى فاس، فألف كتابه "دلائل الخيرات" وبدأ ينشر طريقته في حاحا، فتجمع حوله آلاف المريدين؛ الشيء الذي أقلق خصومه الذين قاموا بقتله. نفسه، ص129.
[5]- Lmoubariki M, La résistance du Sud- Est Marocaine à la Pénétration Française 1906-1934, Thèse pour le Doctorat d'Histoire, Université Lumière  Lyon II,  Faculté de Géographie, Histoire, Histoire de l'Art et Tourisme, Année universitaire, ,1990-1991,( 2T). p.116.
[6] - Drague G, - Esquisse d'histoire religieuse du Maroc, Paris, 1951, p.50.
[7]- زكية زوانات، م.س. ص137.
[8]- نفسه، ص154.
[9]- أحمد التوفيق إينولتان، المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، ط.2، 1983.، ص368.
[10]- أحمد البوزيدي، درعة بين التنظيمات القبلية والحضور المخزني: دراسة في الحياة السياسية والاجتماعية، أطروحة لنيل شهادة دكتوراه الدولة، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراز، فاس، 2004، ج.1، ص247.
[11]-Michaux Béllaire, « Essai sur l'histoire des confréries marocaines», Hesperis,vol.1, 2éme trimestre, 1921 p.185.
[12]- Drague G, p.92.
[13]- الهادي الهروي، م.س. ص123.
[14] - زكية زوانات، م.س. ص ص119-120.
- Sallem Ben M'Barek," Les Drquaouas", in Bulletin de la sociologie et de la géographie du Maroc, n°2, octobre novembre, 1961, Casablanca, pp.6-7.
[15] -Ibid, p.7.
[16] -Bellaire Michaux, Essai sur l'histoire des confréries marocaines, in Hesperis, T. 1, 2éme trimestre; 1921, p.156.
[17]- يعتبر مولاي عبد السلام بن مشيش هو مؤسس التصوف في المغرب، عاش ما بين 560-625 هـ/ 1165-1228 م، وكان له تلميذ وحيد هو أبو الحسن علي الغماري الزروالي الشاذلي الذي ورث أسراره الروحية والصوفية، والذي نحول إلى قطب من أقطاب التصوف في العالم الإسلامي في المشرق والمغرب، وتوفي في مصر عام 656 هـ/ 1258 م. انظر زكية زوانات، م.س. ص127-128.
[18]- حول الدور الجهادي للطريقة الدرقاوية والعلماء والمتصوفة في تافيلالت، ينظر محمد بوكبوط، مقاومة الهوامش الصحراوية للاستعمار ( 1880-1938) : صفحات مجهولة من صمود قبائل التخوم الشرقية من تافيلالت إلى وادي نول، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، 2005، ص ص9-22.
[19]- يعرف سيدي محمد بن العربي بين أهالي تافيلالت بـ"سيدي محمد بلعربي" ولذلك سنستعمل هذا الاسم كما تحدثت عنه الرواية الشفوية.
[20]- Drague G, Esquisse d'histoire religieuse du Maroc, Paris, 1951, p.285.
[21]- محمد بوكبوط، م.س. ص10، نقلا عن أحمد بن قاسم المنصوري، كباء العنبر من عظماء زيان وأطلس البربر، مخطوط حققه محمد بن لحسن، في إطار أطروحة دكتوراه دولة، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، بني ملال، 1997، ص392، ونشرته المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، الرباط، 2004.
[22]-Odinot, Paul, L'importance politique de la confrérie Drqaoua, Résidence générale, n°.5, mai, 1929, p.294.
[23]-De Foucauld Charles, Reconnaissances au Maroc 1883-1884, Challemel, 1888, p.352.
[24]- Odinot, Paul, op.cit, p.293-295.
[25]- محمد بوكبوط، م.س. ص10.
[26]- نفسه.
[27]- نفسه، ص13.
[28]- نفسه، ص11.
[29]- نفسه.
[30] -يورد محمد المباركي في هذا السياق رسالة مطولة للشيخ سيدي محمد العربي الدرقاوي مؤرخة بعام 1887م ومسجلة بالخزانة العامة تحت رقم D3353، كلها تحريض على الجهاد وحث للناس على التصدي للنصارى وعدم الاكتراث بالتعاليم المخزنية الرسمية الخنوعة والذليلة، كما أن الرسالة متضمنة لأبعاد دينية محفزة للمجاهدين على الشهادة في سبيل الله. انظر نص الرسالة عند :
Lmoubariki M, op.cit, p.120.
[31]-Ibid, p.121.
[32]-Lacroix  N, Les Derkaoua d'hier et d'aujourd'hui, essai historique, Alger, 1902, p.20.
[33] -Jacques Berque, L'intérieur du Maghreb XV-XIV siècle, édition Gallimard, 1978,564 p), p.494.
[34]- انظر نص الرسالة التي بعثها السلطان مولاي الحسن إلى المفوض الفرنسي شارل فوري على يد النائب السلطاني بطنجة السيد محمد الحاج الطريس، أوردها الأستاذ محمد بوكبوط، م.س. ص13.
[35]- نفسه، ص 24.
[36]- نفسه، ص 24.
[37]- تحت يدنا وثيقة تجديد عهد "الخاوا" بين قصر أولاد عبد الرحمان في الغرفة وأهل تحموت من آيت خباش، ثم  وثيقة "الخاوا" والعهد بين بعض القبائل الخباشية. الوثيقتان معا عثرت عليهما في قصر مرزوكَة.
[38]- تحت يدنا رسالة بعث بها أحد قياد السلطان المولى الحسن إلى الأجهزة المخزنية بفاس يطلب منها أن تمده بالعون اللازم للتغلب على آيت عطا وآيت مرغاد وآيت حديدو وآيت ازدگ، ويستنجد بالمخزن ليقدم له المدد الضروري لتموين الحركة العسكرية ضد العصاة، وإلا فإن القبائل المتمردة سوف تزحف نحو القصابي وميسور ووطاط الحاج وتقضي على أمال المخزن في السيطرة على هذه المناطق (توجد نسخة من هذه الوثيقة بمركز الدراسات والبحوث العلوية بالريصاني).                
[39]-رسالة مخزنية توجد منها نسخة بنفس المركز.
[40]-رسالة من السلطان المولى الحسن الأول إلى سكان تافيلالت تبين موقف السلطان من مولاي بلعربي الدرقاوي، وهي رسالة أوردها محمد المباركي في المرجع السالف الذكر، انظر :
Lmoubariki M, op.cit, p.497.
[41]- محمد بوكبوط، م.س. ص9.
[42]- De Foucauld Charles, Reconnaissances au Maroc, Paris, 1888, p.352.
[43]- هذه الزاوية أسسها زعيمها الروحي الشيخ محمد بن عبد الرحمان بن بوزيان المنحدر من السلالة الإدريسية،  والذي عاش في نهاية القرن 17م، وتوفي عام 1733م/1146هـ. وتعتبر هذه الزاوية امتدادا طبيعيا للزاوية الناصرية في تامـﮔـروت؛ على اعتبار أن مؤسسها الأول سيدي محمد بن عبد الرحمان، تتلمذ لمدة طويلة على يد شيخ الزاوية الناصرية المقدم سيدي مبارك بن عبد العزيز. بعد وفاة سيدي محمد بن عبد الرحمان الزياني تعاقب أبناؤه على زعامة الزاوية الزروالية في القنادسة بدءا بمحمد الأعرج( 1773-1781)، ثم ابنه أبو مدين (1881-1799)، ثم عبد الله بن أبي مدين(1799-1825) فخلفه ابنه أبو مدين بن عبد الله (1825-1853)، ثم انتقلت قيادة الزاوية لأبى محمد بن محمد بن مصطفى بن محمد أخ أبي مدين(1853-1855) ليأتي بعده مقدم جديد الذي قاد زاوية القنادسة لأطول مدة قاربت نصف قرن وهو سيدي محمد بن عبد الله (1855-1900) الذي خلفه ابنه سيدي إبراهيم لمدة عشرين سنة (1900-1920).
انظر :
-Voinot L , "Confrérie et Zaouïas au Maroc", in Bulletin de la sociologie et de Géographie et d'archéologie d'Oran, T.58, mars, 1937, pp. 56-20 p.39-40.
- Drague G, op.cit. p.76.
[44]- تحت يدنا رسالة من الخليفة السلطاني مولاي الرشيد إلى السلطان مولاي الحسن بمناسبة الفيضانات المهولة التي عمت قصور تافيلالت عام 1302هـ. توجد نسخة من هذه الرسالة بمركز الدراسات والبحوث العلوية بالريصاني.              
[45]-العربي اكنينح، آثار التدخل الأجنبي على علاقة المخزن بالقبائل في القرن التاسع عشر : نموذج قبيلة بني مطير(آيت نطير)، ط1، فاس، 2004. ص353.
[46]-رسالة من السلطان الحسن الأول إلى خليفته في تافيلالت مولاي رشيد مؤرخة بتاريخ 4 ربيع الأول عام 1302هـ، الوثائق الملكية، سجل 19627، توجد نسخة منها بمركز الدراسات والبحوث العلوية بالريصاني.              
[47]- وثيقة بالمركز نفسه.
   - وثيقة بالمركز نفسه.
[48]- وصل مجموع النفقات التي صرفها المولى الحسن أثناء زيارته لتافيلالت عام 1893م إلى 150000 مثقال، انظر : محمد حمام : "قراءة في كتاب السفر إلى تافيلالت معية صاحب الجلالة مولاي الحسن، سنة 1893، لمؤلفه الدكتور فرناند ليناريس"جامعة مولاي علي الشريف الخريفية، (أعمال الدورة السابعة، الشطر الأول)، مركز الدراسات والبحوث العلوية، الريصاني، دجنبر، 1997، ص141-151.
[49]- Lmoubariki M, op.cit, p.103.
[50]-Ben Srhir Khalid,"L'impossible réforme, le programme de John Drummond Hay (1856-1886)", in Hesperis Tamuda, volume XXXIXX, fasc. 2, 2001, pp.71-84.
[51]-Kenbib M, Les Protégés, contribution à l'histoire contemporaine du Maroc, Publications de la Faculté des Lettres et Sciences Humaines, Rabat, 1996, pp.125-136.
[52] - محمد بوكبوط، م.س. ص25.
[53] - Lacroix  N.op.cit, p.20.
[54] -Ibid, p.21.
[55] -Idem.
[56] - Ibid, p.22.
[57]- انظر تفاصيل هذه الزيارة عند :
 Linares D. F. «Voyage au Tafilalet avec S.M le Sultan Moulay Hassan en 1893», in Bulletin de l'institut d'hygiène du Maroc, n° 3-4, 1932. pp.  93-116
[58]- Ibid. p.33.
[59]- من بين الذين تأثروا بالفكر الدرقاوي، وتركوا بصماتهم في تاريخ الجنوب الشرقي المغربي في نهاية بداية القرن 20، نجد كلا من الشيخ زين العابدين الكونتي، وسيدي محمد التالتفراوتي، ومولاي مصطفى الحنفي، ثم مولاي أحمد ولحسن السبعي السغروشني. حول هذه الزعامات القبلية، انظر : عبد الله استيتيتو دور تافيلالت في تنظيم العلاقات بين المجتمع القبلي والمخزن والمستعمر، (1873-1932) : دراسة في إشكالية العلاقات السياسية والوقائع الاجتماعية والتاريخية، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في التاريخ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ساياس- فاس، 2007، صص 199-203.
[60]- حول الفقيه سيدي علي الهواري، انظر : الفقيه أحمد المهدي الناصري، نعت الغطريس الفسيس هيان بن بيان المنتمي إلى السوس، مخطوط تم تحقيقه ودراسته من قبل نصر الدين خالد الناصري الذي تقدم به لنيل شهادة الدكتوراه في الآداب، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراز، فاس، 2002.
[61]- نفسه، انظر أيضا، محمد المختار السوسي، المعسول، ج.16، الدار البيضاء، 1961.
[62]- حول المعارك التي خاضها رجال الزوايا ضد المستعمر جنوب شرق المغرب، ينظر أطروحتنا، م.س. ص ص 199-251، 274-280.
[63]-نفسه.

الأربعاء، 12 أغسطس 2015

الشيخ محمد بن ناصر الدرعي في ذاكرة المؤرخين

مْحَمَّد بنَّاصر الدّرعي
( في ميثاق الرابطة)

د. جمال بامي

باحث في التاريخ
     
كم هو رائع أن نستعيد ذكريات شخصيات فذة كان لها دور كبير في بناء شخصيتنا وكياننا، وإن هذا الاستدعاء لا يرجى منه “التبرك” والتأريخ النمطي بقدر ما يبحث من خلاله عن الإنسان والثقافة والقيم والنماذج التي صنعت أمجادنا وحضارتنا، ثم إن شبابنا اليوم في غمرة الضياع والفراغ يحتاج إلى “تذكير” بأن المغرب الثقافي عميق عمقا مدنا بعناصر شخصيتنا التاريخية التي وإن لم تكن آثارها السلوكية بادية اليوم لعوامل عديدة متداخلة؛ فإن وجودها بالقوة مسألة لا يشك فيها إلا من غاب عنه منطق فلسفة التاريخ والعمران البشري، وإن بحثنا عن الإنسان النموذج في الزمان والمكان المغربيين لكفيل بإعادة طرح سؤال الانتقال من القوة إلى الفعل بتوفيق من الله. وقد آثرت-ضمن هذا القصد- أن أُعرف بعلم من أعلام المغرب الكبار هو محمد بن ناصر الدرعي التامكروتي..

      لا خلاف حول أن سيدي محمد بناصر الدرعي يعتبر من الشخصيات الأكثر تأثيرا في مسار التصوف المغربي والثقافة المغربية بشكل عام؛ فلقد أسس هذا الرجل الفاضل مدرسة في العلم والصلاح وصل إشعاعها إلى كل جهات المغرب الكبير منطلقا من زاويته الشهيرة بتامكروت التي بلغ صداها المشرق العربي أيضا. ولعل من مميزات طريقة الشيخ محمد بن ناصر الدرعي هي الجمع القصدي بين العلم والعمل، ونشر قيم الصلاح والفضيلة بحثا عن القيم التي ترتقي بالإنسان. فمن هو هذا العالم الفاضل الذي اشتهر بتوسله الرائع المعروف بالدعاء الناصري الذي يسميه أهل فاس سيف بن ناصر؟

      هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن الحسين بن ناصر، ولد رحمه الله يوم الجمعة في شهر رمضان عام1011هـ/1602م بأغلان بواحة “ترناتة” (منطقة زاكورة) التي توجد شمال واحة “فزواطة” التي تنتمي إليها زاوية تامكروت، ونشأ في كنف والده سيدي محمد بن أحمد الدرعي الذي لقنه دروس العلم والصلاح الأولى، وكانت أمه صالحة قانتة.. ثم انتقل إلى مسجد قصر “تسركات” على الضفة الغربية لوادي درعة بالواحة نفسها، وتلقى العلم على يد شيخ الجماعة سيدي علي بن يوسف الدرعي التمازيري، فلازم مجالسه العلمية حتى تخرج فقيها عالما مشاركا في علوم العربية والتفسير والحديث والتصوف والكلام.

      انتقل سيدي محمد بن ناصر بعد ذلك إلى منطقة وادي دادس وأصبح إماما راتبا بقصر “الجرفة” إلا أنه عاد إلى بلدته فترتب إماما بمسجد “أغلان” وتصدر لتدريس العلم بزاوية أبيه.

      قال أحمد بن يعقوب الولالي في “مباحث الأنوار في مناقب بعض الأخيار” (تحقيق عبد العزيز بوعصاب، 1999): “وكثر عنه الأخذ شرقا وغربا وحج مرتين، وكان يواظب على قراءة الحديث (…) وكان شديد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يخاف في الله لومة لائم ولا يرى واقفا بباب ملك من الملوك ويتولى صلاة الجمعة بمسجده ولم يخطب لملك قط”..

      وقال أحمد بن خالد الناصري في “طلعة المشتري”: “لولا ثلاثة لانقطع العلم من المغرب في القرن الحادي عشر لكثرة الفتن التي ظهرت فيه وهم سيدي محمد بن ناصر في درعة وسيدي محمد بن أبي بكر الدلائي في الدلاء وسيدي عبد القادر الفاسي”…

      وقال أبو سالم العياشي -تلميذ محمد بن ناصر الدرعي- في فهرسته : “شيخنا الحافظ الخاشع الزاهد ألين أهل زمانه عطفا وأشدهم لله خوفا الموفق في السكون والحركة المقرونة أحواله بالبر والبركة كان رضي الله عنه شديد الإتباع للسنة في سائر أحواله(…) سلك في ذلك سبيل الشيخ المرجاني وابن أبي جمرة وابن الحاج ونظائرهم حضرت مجالسه في كثير من العلوم فقها وتفسيرا ونحوا وحديثا وتصوفا، كان عديم النظير في العربية يحفظ “التسهيل” عن ظهر قلب وجل استفادته في العلوم الظاهرة عن شيخه سيدي علي بن يوسف الدرعي وأجاز له سيدي محمد بن سيدي سعيد المراكشي، ولقي شيخنا أبا بكر السجستاني في رحلته إلى المشرق واستفاد منه (…) وأما في طريق القوم فعن الشيخ سيدي عبد الله بن حساين الدرعي عن سيدي أحمد بن علي عن سيدي الغازي تلقيت منه الذكر وأجاز لي سائر مروياته..”.

      وقال أبوعلي اليوسي في فهرسته: “قرأت عليه -أي على شيخه محمد بن ناصر الدرعي- التسهيل وجملة من مختصر خليل والتفسير والمدخل لابن الحاج والإحياء للغزالي وجزء من البخاري والشفا وطبقات الشعراني”…

      وقال الإمام أبو علي الحسين بن ناصر الدرعي أخو سيدي محمد بن ناصر الدرعي في “فهرسته”: “ختمت على الشيخ الأخ الشقيق شمس المعارف سيدي محمد بن ناصر مختصر خليل بن إسحاق ست مرات ثلاثا بأغلان عام ثلاثة وخمسين وأربعة وخمسين -يعني بعد الألف- وختمة فيما بين مصر وطرابلس الغرب وبسكرة النخل عام سبعين وختمتين فيما بين ذلك أيضا عام ستة وسبعين وسبعة وسبعين والرسالة مرة والتسهيل لابن مالك خمس مرات وشرحه لابن عقيل مرتين والأول من المرادي عليه مرة وكافية ابن الحاجب وشرحها للرضي الشريف مرة واليدوني مرة -وهي أرجوزة محاذية لمغني ابن هشام- والكراريس مرات – وهي الأراجيز التي تتناول الرسم القرآني وضبطه وأداءه، والخزرجية ثلاث مرات وابن عطية على الفرائض مرتين والقلصادي مرتين وعلى الشيخ أيضا الصغرى للسنوسي وشرحه عليها ثلاث مرات والجزائرية وشرح السنوسي عليها مرتين والحوضي، وشرح السنوسي عليه مرتين والكافي في علم القوافي مرة والمقدمة، وشرح المؤلف عليها ثلاث مرات والألفية لابن مالك ثلاث مرات والأجرومية والمكودي عليها ثلاث مرات وابن عباد على الحِكم مرتين وبعض الإحياء للغزالي أخذته عنه وسلاح المؤمن وبعض الترغيب والترهيب (…) وختمت عليه البخاري زهاء ست مرات ومسلما مرة، وسمعت منه مواضع من إيضاح أبي علي الفارسي ومن الجمل للزجاج ومن كتاب سيبويه ومفصل الزمخشري وقرأت عليه جل “جمع الجوامع” (…) وبعض الجامع الصغير وبعض الجامع الكبير (…) وكفاية المتحفظ نحو ست مرات والفصيح وموطأ مالك بن المرحل وتهذيب البرادعي إلى النكاح في غالب ظني وبانت سعاد ولامية العرب..”؛  ومنه نفهم غزارة المواد التي كان يدرسها محمد بن ناصر وموسوعيته وعلو شأنه، أضف إلى هذا أن هذه المعلومات الوفيرة التي قدمها لنا الحسين بن ناصر الدرعي، والحسن اليوسي، وأبي سالم العياشي، وكلهم أعمدة في العلم، تعطينا فكرة صادقة عن الحياة العلمية والفكرية في عهد محمد بن ناصر، وهي فترة مفصلية في تاريخ المغرب الحديث، عرفت تأسيسا جديدا للحركة العلمية بعد ركود بسبب الاضطرابات السياسية التي رافقت نهاية الدولة السعدية، وقد سبق أن أشرت في مقالتي حول الإمام محمد بن سعيد المرغيثي (العدد السابق من جريدة ميثاق الرابطة) أن الزاوية الدلائية قامت بدور جبار في الحفاظ على العلم متوهجا، ولا شك أن العلاقة بين هذه الزاوية والمسار الذي سيتخذه العلامة محمد بن ناصر واضح وجلي على الرغم من اختلاف الأبعاد السياسية، ويكفي أن نعرف أن العلامة اليوسي وأهو أحد أقطاب الزاوية الدلائية هو أشهر تلاميذ محمد بن ناصر الدرعي على الإطلاق. المسألة إذن مسار وتراكم وسلاسل ممتدة لنشر العلم والصلاح وتشييد العمران بتوفيق من الله …   لما بلغ محمد بناصر الدرعي من العلم والدين ما بلغ تاقت همته إلى البحث عن شيخ التربية، فبحث عنه في قرى وادي درعة، ثم أخبره صهره محمد بن عبد القادر الحربيلي بأنه رأى بتامكروت رجلين صالحين عليهما سمات الخير والصلاح، فقدم إلى تمكروت وكان سنه يومئذ نحو 27 سنة فوافاهما وقد حانت صلاة المغرب فصلى معهما (….) فخلا بن ناصر بسيدي أحمد بن إبراهيم وقال له إني أريد أن تذهب معي إلى الشيخ عبد الله بن حساين (هو غير عبد الله بن حساين الأمغاري التامصلوحتي) ليلقنني الورد الشاذلي فذهب معه إلى الشيخ عبد الله بن حساين فلقنه الذكر، وأعجب به فرغب في معاشرته وتعليمه العلم في زاويتهما فلبى لهما رغبتهما، واستقر بالزاوية بعد أن جلب والده وأخوه سيدي حساين من أغلان، وكان ذالك سنة 1040هـ/1631م.

      ومعلوم أن زاوية تامكروت تأسست سنة 983هـ من طرف أبي حفص عمرو بن أحمد الأنصاري حفيد الحاج إبراهيم القادم من الشرق ونزيل زاوية “سيدي الناس” التي تقع على مقربة من بلدة تامكروت، وقد قامت زاوية تامكروت بدور رئيسي في التعاون الثقافي والديني بين شمال إفريقيا والمشرق العربي بفضل الرحلات العلمية والدينية والثقافية التي قام بها علماؤها ضمن مشروع رسالي واضح المعالم..

      في سنة 1045هـ/1636م توفي الشيخ عبد الله بن حساين الدرعي وتولى أمر الزاوية بعده سيدي أحمد بن إبراهيم، ولما توفي هذا الأخير رحمه الله مقتولا في 11 جمادى الأولى سنة 1052هـ/1642م انتقل أمر الزاوية إلى سيدي محمد بناصر بوصية منه، فتزوج السيدة حفصة بنت عبد الله الأنصارية -زوجة سيدي أحمد بن إبراهيم سنة 1055هـ/1645م-، فولدت له الشيخ الإمام أحمد بن محمد بناصر الملقب بالخليفة، صاحب الرحلة الناصرية الشهيرة.

      والجدير بالذكر أن تقوية الدور الإشعاعي لزاوية تامكروت تم بفضل الأعمال التي قام بها أحمد بن إبراهيم الأنصاري الذي تولى شؤون الزاوية بين 1045 و 1052 هـ، خاصة ما يتعلق ببناء المسجد، الذي عرف استقبال طلاب العلم الذين تكلفت الزاوية بنفقاتهم  بفضل عائدات العقارات التي حبسها الشيخ أحمد بن إبراهيم الأنصاري لفائدة الزاوية، كل هذا يبرز الركائز الأساسية التي قامت عليها زاوية تامكروت بفضل الشيخ الفاضل أحمد بن إبراهيم الأنصاري، أما ترسيخ المكانة العلمية للزاوية فقد تحقق بفضل العمل الكبير الذي قام به محمد بن ناصر الدرعي..

      شرع محمد بن ناصر الدرعي في تعليم العلوم بزاوية تامكروت كما كان حاله في زاويته في بلدة أغلان حيث أخذ عنه العديد من كبار علماء عصره العصر مثل أبي الحسن علي اليوسي أبي سالم العياشي والقاضي عبد الملك التاجموعتي والفقيه عبد الله بن محمد الهشتوكي وأبي الحسن علي المراكشي وابن عبد اللطيف الفيلالي وغيرهم كثير، ويكفي أن نستشف من عبقريتهم وعمق علمهم وأدبهم بعض ملامح شخصية شيخهم بن ناصر..

      اشتهر محمد بن ناصر أيضا بجمع الكتب واقتنائها نسخا وشراء، فنسخ بخط يده عدة كتب منها “شرح المراد على التسهيل” وبعض كتاب “العقد الفريد” لابن عبد ربه، واهتم بتصحيح الكتب ومقابلتها وكتب الفوائد على هوامشها فداع صيته وعلا شأنه وضمن مكانة بين عظماء هذا البلد الكريم.. وشهرة خزانة زاوية تامكروت لا تخفى على الباحثين والمهتمين شرقا وغربا..

      قال العلامة سيدي محمد المكي الناصري في كتابه “الدرر المرصعة في أخبار أعيان درعة” (تقديم وتحقيق محمد الحبيب النوحي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط، رسالة دبلوم الدراسات العليا 1988م): كان الشيخ رضي الله عنه جوادا فياضا يقسم على جيرانه وساكني زاويته بل وغيرهم من أهل درعة ممن لم يسكن الزاوية الأضحية كل عيد والصوف كل عام والسمن والزيت كذلك ولا يدخر عنهم شيئا حتى قال بعض ولده يوما وقد فرق سمنا كثيرا جيء إليه على الجيران والفقراء والمساكين: قد فرقت هذا السمن كله فما تركت لنا؟ فأجابه: “وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين” الآية.

      يتصل نسب محمد بن ناصر الدرعي في الطريقة الشاذلية والزروقية، كما يتصل بالقادرية عن طريق أبي مدين الغوث. قال الشيخ الداهية أحمد بن عبد القادر التستاوتي في “نزهة الإخوان”: وجد بخط الإمام الأستاذ محمد بن ناصر رضي الله عنه: بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما يقول كاتبه عبد ربه تعالى محمد بناصر الدرعي كان الله له أخذنا طريقة التصوف عن شيخنا سيدي عبد الله بن حساين الرقي عن شيخه أبي العباس أحمد بن علي الدرعي عن شيخه سيدي أبي القاسم الغازي الدرعي أهلا السجلماسي دارا عن شيخه أبي الحسن علي بن عبد الله السجلماسي عن شيخه أبي العباس أحمد بن يوسف الملياني الراشدي عن شيخه أبي العباس أحمد زروق الفاسي عن شيخه أبي العباس أحمد بن عقبة الحضرمي عن شيخه أبي الحسن عن الفرابي عن شيخه أبي العباس تاج الدين أحمد بن عطاء الله الإسكندري عن شيخه أبي العباس أحمد المرسي عن شيخه أبي الحسن الشاذلي عن شيخه أبي محمد عبد السلام بن مشيش”..

      قال أحمد الولالي في “مباحث الأنوار في مناقب بعض الأخيار” (كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1999) تحقيق عبد العزيز بوعصاب (ص: 299 وما بعدها): “ومنهم إلا أني لم ألقه ولكن كاتبته فكتب إلي غير ما مرة شيخ علماء وقته وقدوتهم في الدين، ورع الزمان وزاهد الأوان، الشيخ محمد بن ناصر الدرعي. كان رضي الله عنه أولا مشتغلا بالعلم ثم صاحب الشيخ عبد الله بن حساين الدرعي ثم صاحب بعده تلميذه الشيخ أحمد بن إبراهيم. فروي أن الشيخ عبد الله بن حساين الدرعي قال أن نجعل له ما يظهر به فوق أقرانه، فكان أمره كذلك (…) ومن طلب منه الصحبة لا يقر له بأنه شيخه بل يقول:  أنا أخوك والشيخ هو السيد الغازي”. والسيد الغازي هذا هو أبو القاسم بن محمد بن عمرو بن أحمد السوسي، الملقب بالغازي، شيخ صوفي ذائع الصيت يتصل سنده في الطريقة بأحمد زروق، وعنه أخذ شيوخ الناصريين. ازداد بدرعة واستقر بتبوبكرت من سجلماسة التي أسس بها زاويته حوالي 933هـ توفي سنة 981هـ (الهامش 541 من مباحث الأنوار، تحقيق عبد العزيز بوعصاب).

      يضيف أحمد الولالي في “مباحث الأنوار” (ص: 301): “وقد كنت كتبت إليه رسالة مرتين، وأبلغهما له شيخنا العلامة أبو علي بن مسعود اليوسي، وطلبت منه الدعاء فيهما، فدعا لي في أحدهما بقوله: بلغك الله تعالى من خير الدنيا والآخرة فوق الوهم والظن، وفي الأخرى بقوله: جمع الله تعالى لك من خير الدارين ما هو أهله، وهذا من جوامع كلمته التي أوتيها من بركة ترك التكلف وإتباع السنة؛ استجاب الله تعالى له فينا ولو لم نكن نحن أهلا. وله “تآليف في الصلاة على النبي”، وممن مدحه العلامة أبو علي اليوسي في “قصيدة” من خمسمائة بيت، مشتملة على أساليب من المعاني أبدع فيها وشرحها في مجلدة، ولم نر لها نظيرا.. ومطلع القصيدة الدالية هو:

          عرّج بمُنعرَج الهِضاب المُوَرّد            بين الِّلصاب وبين ذات الأرمَد

      وقد نشب خلاف بين المولى الرشيد العلوي ومحمد بن ناصر الدرعي الذي أصر على حفظ استقلاليته إزاء الدولة الجديدة، إلا أن الأمر سرعان ما تغير مع السلطان المولى إسماعيل الذي استقدم محمد بن ناصر الدرعي إلى مدينة مكناس سنة  1107هـ/ 1696م في خبر مشهور..

      ترجم لابن الناصر الدرعي كلا من اليوسي في “المحاضرات” واليفراني في “الصفوة”، والحضيكي في “طبقاته” والقادري في “النشر” والتقاط الدرر”، وأحمد الناصري في “طلعة المشتري” ومحمد مخلوف في “شجرة النور الزكية” والعلامة محمد حجي في “الحركة الفكرية على عهد السعديين”…

      كانت وفاة بن ناصر يوم 16 صفر 1085هـ/1676م وهو ابن أربع وسبعين سنة، ودفن بضريحه المعروف بروضة الأشياخ. وقد زرت زاويته مرارا واستمتعت واستفدت، رحمه الله وجازاه عن المغرب والإنسانية خيرا، والله الموفق للخير والمعين عليه..
********************************************************************************
نقلا عن:
http://www.mithaqarrabita.ma

الخميس، 28 مايو 2015

التصوف والمعارضة السياسية

*/.الصوفية المنحرفة بالمغرب الأقصى
محمد أفزاز  

مقدمة: 
اتخذ التصوف المغربي على امتداد التاريخ الإسلامي أشكالا متعددة، وتمظهرت بمظاهر مختلفة باختلاف السياقات والخلفيات، وظروف النشأة وأسباب التطور. 
وعرف المغرب قياسا إلى التسلسل الزمني للدولة المغربية من الأدارسة إلى العلويين بنايات فكرية ودينية واجتماعية وسياسية تراوحت تشكلاتها بين التصوف الفردي والتصوف المؤسساتي، الذي عكسته الرباطات والزوايا والطرق الصوفية، هذه الأخيرة شكلت بؤرة اهتمام تضاف إلى الاهتمام بالخطر الأجنبي الذي كان يتهدد المغرب، وكذا انعكسات التخلف الذهني والاقتصادي.
فصارت بذلك موضوع مواجهة وطرفا في الصراع، وعاملا رئيسا في نشأة السلفية الإصلاحية، كما أضحت عاملا مهما في بلورة سياسة البلد في فترات عدة من تاريخ المغرب الحديث.

ولئن كان من غير اليسير الحديث في مقالة واحدة عن تلك الانتقالات التي شهدها التصوف ذو المرجعية المغربية، وما صاحب ذلك من صراعات بين السلطة الفكرية والسلطة السياسية ومحاولات الاحتواء والتدجين أو المهادنة والتعنيف في علاقة المتصوف بالفقيه والسلاطين. 
ولئن كان من غير المتيسر أيضا رصد التطورات التي مست وظيفة الزوايا فجعلت منها مؤسسة للجهاد تارة، كالزاوية الريسونية، ووجها من أوجه المخزن تارة ثانية، كالزاوية الوزانية( القرن 17م)، وسلطة بديلة تقدم نفسها محل السلطان تارة أخرى، كالزاوية الدلائية( القرن 17 الميلادي) والزاوية الدرقاوية1.فإن تحليلنا للظاهرة سيقتصر على تجلية ذلك الجانب السلبي الذي كان محط انتقاد وهجوم ليس من قبل السلاطين والعلماء فحسب بل ومن أهل الصوفية والزوايا أنفسهم، والمتمثل في الطرق الصوفية المنحرفة وأهل البدع التي وجدت في الاستعمار خير معين، وفي جهل العامة من الناس أخصب تربة، وفي لحظات ضعف الدولة وانقسامها أفضل المحطات للانتشار والتوسع.

1- المغرب بلد المائة ألف ولي
يعد المغرب من بين أكبر البلدان الإسلامية احتضانا لظاهرة الأضرحة والمزارات، فلا تكاد تجد تلا ولا سهلا ولا هضبة ولا قرية ولا مقبرة و لامدينة إلا وقد شيد فيها ضريح أو مزار، إلى الحد الذي وصف فيه المغرب ببلد المائة ألف ولي. 
وقد كشفت دراسة أنجزت بمنطقة قلعة السراغنة حول مركز لا يتعدى تعداد سكانه 20 ألف نسمة وجود 50 وليا ضمن دائرة جغرافية لا تتجاوز عشرة كيلومترات2. 
وتشير دراسة سوسيولوجية أخرى أنجزت بمنطقة دكالة إلى أن هذه المنطقة تعد الأكثر إيواء للأضرحة بالمغرب بعضها صغير كان الأصل فيه "كراكير" أو أشجار مقدسة تحمل أسماء لأولياء وهميين حولتهم الجماعة إلى رموز للهوية المحلية ببناء قبب فوقها أو حولها، فيما البعض الآخر عمت شهرتها المنطقة برمتها لتتعداها أحيانا إلى المناطق المجاورة. 
وتتميز هذه الأضرحة بحجم تجهيزاتها وأناقة زخرفها وتنجيدها، وذلك بفضل استنادها على قاعدة اقتصادية عريضة متمثلة في عزائب فلاحية (العزيب) وعقارات تجارية ومنشآت سكنية، بالإضافة إلى ما يقدمه الزوار من هدايا وقرابين، أما الأضرحة الصغيرة فقد فاق عددها عدد الدواوير بنسبة كبيرة‘ إذ قارب ألفي ضريح بمعدل ضريح في كل ثلاثة كليومترات مربعة ، وضريح واحد لكل ثلاثمائة وسبعين فردا في المتوسط3.
ويؤشر أيضا على كثرة الأولياء والأضرحة بالمغرب كون مدينة القصر الكبير توصف هي الأخرى ببلد التسع وتسعين وليا وضريحا، لكل واحد منها مسجد للصلاة ولبعضها غرف للضيافة ولبعضها الآخر مقابر عائلية أو بساتين وأشجار مثمرة.
وتؤكد البحوث والدراسات السوسيولوجية التي عنيت بالأضرحة والأولياء تلك العلاقة الوثيقة بين انتشار الصوفية ابتداء من القرن الثاني عشر الميلادي وتكاثر الأضرحة والمزارات باعتبارها إرثا لهذا الانتشار وتجسيدا واقعيا لحاجة الناس الملحة لفضاءات روحانية يستمدون منها قوتهم المعنوية لمجابهة آثار التسلط السياسي وتداعيات عوامل الجفاف وما ترتب عنها من مجاعات وأمراض وأوبئة وأزمات اقتصادية خانقة، فضلا عن الاعتقاد بقدرة هذه الفضاءات كخزانات للقداسة، على دفع المضرات وجلب المسرات( طلب الأولاد، العثور على غائب، الزواج....).

وقد يكون من الأهمية الإشارة إلى أن المغرب قد تعرض خلال الفترة -1934-1844 لدورات من القحط والأوبئة وفيضانات وسيول واكبها غلاء فاحش في المواد الاستهلاكية، وقلة في المؤن و الغذاء.
وقد خلفت هذه الكوارث موت عشرات الآلاف من المغاربة والأجانب وثلث قبائل (حاحة وسوس ) من شدة الجوع ، وهلاك ربع سكان المغرب سنة 1879، وموت 5 آلاف يهودي من ( ملاح فاس ) ومائة وعشرون نفسا من مدينة سلا خلال الفترة 1854-1857، نتيجة وباء الكوليرا .
أما الجدري الذي وصف حينها بالأحمر فقد حصد 6 آلاف شخص بمراكش سنة 1888 م4.
وتعود هذه المكانة التي خص بها المجتمع تلك المزارات/ الأولياء إلى عدة عوامل كتناسل القصص والروايات الأسطورية التي كانت تثبت لهذا الولي أو ذاك خوارق وهمية قام بترويجها فئة ممن كانوا يستفيدون من إتاوات وأرباح الزيارات والهبات.

2- أولياء بشهرة السلاطين وقدرة الأنبياء؟!
ودون الغوص في ظروف نشأة العديد من الأولياء وحقيقة تصوفهم وعلاقاتهم بالسلاطين والمجتمع ودرجات تعليمهم وتفقههم في الدين5، يجدر بنا تسليط الضوء على بعض الأولياء(دفيني الأضرحة) الذين فاقت شهرتهم كل متخيل. 
وقد عرف العديد من الأولياء/ أضرحتهم بتخصصه في إشفاء نوع من الأمراض، ودفع نوع من الأضرار.
فهذا (مولاي بوشعيب الرداد ) بنواحي دكالة الذي يعرف بـ "منقذ العاقرات"، وهذا (مولاي إبراهيم بمراكش) "الواهب للصبية الذكور" – بحسب قولهم الكاذب - ، وذاك( سيدي مسعود بن حسين) بدكالة أيضا الذي يدفع الاضطرابات النفسية عن الرجال والنساء!!
ويسوق الباحث عبد الغني منديب الكثير من القصص التي حكيت له خلال إجرائه لبحث على عينة من النسوة في منطقة دكالة، ومن بينها أن إحدى النساء اللواتي شملها بالبحث في دراسته عن منطقة دكالة حكت له كيف أصيبت بحبسة ( تعذر في نطق الكلام) على إثر موت ولدها الصغير ذي السنتين من لدغة عقرب قاتلة، واستمرت هذه الأم الثكلى عاجزة عن الكلام لمدة مايزيد عن شهر حتى بكت وانتحبت في رحاب ضريح ( سيدي معاشو بن سعيد) الذي لم يعد لها صوتها فقط - على حد تعبيرها - بل ساعدها على نسيان فاجعتها وأعاد لها الرغبة في مواصلة الحياة6. 
ويذكر الباحث محمد جنبوجي عشرات الأضرحة لأولياء اشتهرت لدى العامة من الناس بقدرتها على الإبراء والإشفاء، وخوارقها التي لاتعد ولا تحصى، ومن بينهم أبو العباس السبتي، المعروف (بسيدي بلعباس)، (وسيدي بنعاشر) ، و(مولاي بوعزة) و(سيدي بوعبيد الشرقي)، و(مولاي عبد السلام بنمشيش)، و(مولاي بوسلهام)، و(عيشة البحرية)، و(لالة محلة) .
ولعل من أغرب ما ساقه الباحث محمد جنبوجي قصة (سيدي سمهروش) الذي يقام حوله موسم سنوي تتوافد قبائل المنطقة من أجل إحيائه وذبح الذبائح له، إنهم يقولون عنه أنه ولي من الجن مسلم حافظ للقرآن عالم بأصول الشعوب وتاريخ الأنبياء تتلمذ على يد أئمة وشيوخ مثل البخاري وعبد القادر الجيلاني !!
ويقولون عنه أنه كان يحمي وما يزال يحمي سكان المنطقة الوعرة والمظلمة من إصابات الجن، لأن المنطقة التي يوجد بها الضريح تتميز بوحشيتها التي تتجاوز كل متخيل، لذا كانت حاجة الناس إلى من هو أقوى من هذه الوحشية7.
وبالرجوع إلى التاريخ المغربي الحديث، وخاصة خلال القرن 19 م، فإننا سنقف على جملة من المظاهر الشاذة والبشعة التي أدخلتها بعض الزوايا المنحرفة كالعيساوية والحمدوشية، ومن تلك الممارسات على سبيل المثال ابتزاز أموال الناس بطرق لم يحلها الله وحتى اليوم ما تزال مواسمها تشهد على بعض منها. 
وأمام هذا الوضع تحركت بعض الزوايا الملتزمة بالسنة النبوية للقيام بعملية تمشيط واسعة للمجتمع من مثل هذه الممارسات الدخيلة8.
وينقل الباحثون، سلسلة من الشطحات والممارسات الشاذة التي عرفتها بعض الزوايا وما تزال تعرفها، ليس مع مؤسسيها على الأرجح، بل مع أتباعهم ومريديهم الذين حادوا عن السنة النبوية العطرة، ومن هذه ما ورد عن الزاوية القادرية/ الجيلانية التي راح أتباعها من الجلانيين يتوسلون بعبد القادر الجيلاني, تفتح طقوسهم بعد صلاة العشاء، إذ يتلى الحزب على ضربات الطبول وأنغام الغيطة.. وفي هذا الجو الصاخب تتصاعد الحمى ويختلط الناس من الجنسين ولا يستطيعون التحكم في أعصابهم فيتساقطون على الأرض.
أما أتباع الزاوية الحمدوشية من الجهلة فإن ممارساتهم تسترعي النظر، يضربون رؤوسهم بالفؤوس والعصي.
وبالنسبة للزاوية العيساوية فقد كان أتباعها من الجاهلين يتخذون من يوم الجمعة صبغة دينية تمتزج فيها دقات الطبول ونغمات الموسيقى، حتى يصلوا إلى حالات هستيرية، فيلتهمون الزجاج والصبار ويبقرون بكيفية وحشية الأكباش المهداة إليهم وهي حية9. 

وحتى نصل الماضي بالحاضر فإنه قد ظهر مع مطلع السنة الحالية 2007 رجل يكنى (بالشريف) في ضواحي مدينة الصخيرات (بالقرب من العاصمة الرباط) تأتي إليه الركبان من كل فج عميق من داخل المغرب وخارجه يعتقدون في بركاته وقدرته على إبراء جميع الأمراض. 
ويقدر عدد الوافدين عليه مابين 4 و 5 آلاف شخص في اليوم الواحد يستوي في ذلك الفقير والغني والجاهل والمتعلم يحملون معهم السكر وقنينات من الماء، فيقوم الشريف بلمس الماء والسلام على الحجيج، دون أن يكلف نفسه عناء الخوض في أي طقوس للشعوذة حتى يدفع عن نفسه تهمة الدجل.

3- الانحرافات الفكرية والعقدية

شكلت المعطيات المرتبطة بكرامات الأولياء ومناقبهم واقعا متخيلا عن شخوص بعضها حقيقي وبعضها الآخر لم يتجاوز مرحلة التخيل الجمعي.
وبصرف النظر عن دلالات الولاية وما ارتبط بها من معاني الكرامة والمنقبة، فإن المجال الصوفي المغربي يشتهر عنده تكرار العديد من الكرامات منذ العصر الوسيط وإلى العصر الحديث، ومن ذلك كرامة المشي على الماء والطيران في الهواء وطي المسافات وإبراء العلل والتنبؤ بالغيب وإفشاء المكنون واستدرار الغيب وتحويل التراب إلى ذهب والاحتفاء عن الأنظار وإرجاع المسروق وتحويل المر إلى حلو10. 
كما يشهد التدرج التاريخي على أن عددا كبيرا من أولياء منطقة دكالة في العصر الوسيط كانت علاقتهم بالثقافة والعلم ضعيفة، إن لم نقل منعدمة، ودخلوا للولاية من باب زهدهم وورعهم، وهي الصفة التي حببتهم لدى العامة، والغالب على أكثرهم ممارسة المهن الوضيعة، قليلة الكسب والمردودية، كـ" صناعة أحجار الأرحاء و" صناعة القدور"، بل إن منهم من كان " لصا يقطع الطريق"، أو من كان مسرفا على نفسه يغني في الأعراس ويلعب فيها"، بل منهم من كان "مجنونا يركب على قصبة يجري بها". 
وكل هذه المظاهر تعطي الانطباع أن التصوف والزهد والولاية، إنما كان خطاب أزمة اجتماعية بامتياز، ومنفذا للهروب من واقع متأزم، بحثا عن بدائل تعيد التوازن بين الذات والسلطة والمال ورغد العيش المفقود 11.
ولعله من المفيد جدا الإشارة إلى أن تاريخ الأولياء بالمغرب تضمن بالإضافة إلى الشيوخ والعلماء والمتصوفة فئات أخرى كان الناس يعتقدون في كراماتها وخوارقها وقدراتها على الشفاء والاستبراء وما إلى ذلك، ممن وصفوا بالمجاذيب التي ربطها بعض الباحثين بالتصوف، فيما استثناها آخرون، ومن أوصاف هؤلاء المجاذيب "الهائم" و"الغائب" و"البهلول" و"الموله" و"ساقط التكاليف" و"الغائب في الله" و"دائم الغيبة" .
والمجذوب، كما تصفه الدكتورة غيتة الخياط، عادة ما كان يرتدي ثيابا رثة وأسمالا غريبة، وقد يترك عرفا كثيفا من الشعر ولحية طويلة , ينام صيفا في العراء وشتاء في أماكن لا تخطر على بال12.
وبالإضافة إلى هذه الفئة عرف المغرب أيضا ظاهرة أخرى سميت بـ "الملامتية"، وهي فئة من الناس كانوا كثيري اللوم لأنفسهم وأسسوا على ذلك مذهبا في تذليل النفس، وتحقيرها وحرمانها من كل ما ينسب إليها من علم أو عمل أو حال أو عبادة، وما لبثت هذه الطائفة أن أدخلت فيها سلوكات وممارست هجينة ومرفوضة13.
ويسوق الباحث الهادي الهروي كيف أنه بالإضافة إلى الأدوار الدينية التي كانت تقوم بها الزاوية المصلوحية بنواحي مراكش على سبيل المثال أصبحت تضطلع بادوار اجتماعية واقتصادية واستشفائية، مثل إيواء المظلوم وحماية (المزاوكين) وإعانة الضعفاء في عملية الحرث وإطعام المسكين والسهر على اليتامى والأرامل وإخصاب النساء العاقرات، والاستشفاء من بعض الأمراض عن طريق امتلاك البركة، ومنح الرزق( إعطاء الخبزة)، وقد كانت الزاوية تتلقى هدايا مثل (الدبيحة) التي تربط الشخص بالشريف الصالح وبالزاوية ككل، و(الزيارة) و(الغطاء) ( غطاء لضريح المولى صالح)14.
وإذا كانت جل الكتابات التاريخية تثبت عكس ما تناقلته المناقب والحكايات والمرويات حول كرامات وخوارق الأولياء والصلحاء، إلا أن الكثير من الزوايا والقائمين على الأضرحة قد استغلوا نفوذهم للتمويه على العامة من الناس بكرامات مصطنعة تتبع الأولياء في أضرحتهم، مثلما نسبت إليهم في حياتهم عن حق أو باطل15. 
ويحرص مسيروا هذه الأضرحة ( أحفاد الولي الذين يعيشون من الرأسمال الرمزي) على إشاعة قدرات جدهم في إنجاز المعجزات وينسبون إليه كل المنجزات التي تساير متطلبات العصر وتستجيب لرغبات الزوار، ويساهم الخدام والمريدون هم أيضا في تدعيم الرأسمال الرمزي للولي صاحب الضريح برواياتهم المتجددة حول حاجاتهم التي قضيت ورغباتهم التي حققت بفضل مزايا وبركات الولي16.
وترتبط زيارة الأضرحة بطقوس ثابتة متمثلة في تقبيل أركان الضريح والطواف بقدمين حافيتين حول التابوت الذي يضم قبر الولي والتمسح بالرداء الذي يوجد فوقه، ثم تقديم الهدية التي تختلف باختلاف الطلب، فهي تبدأ بعودين من الشمع أو بضعة قطع نقدية أو لبوس التابوت ( الغطاء الأخضر)، وقد تصل إلى حد التضحية برأس الغنم أو البقر17.
وتعرف معضم أضرحة منطقة دكالة على سبيل الذكر عند الصوفية المنحرفة بشفائها لأمراض عضوية كالعقم أو الإجهاض المتكرر أو عدم إنجاب الذكور أوغيرها، وأمراض نفسية وعقلية ينظر إليها باعتبارها ناتجة عن مس من الجن أو عن عمل سحري كأمراض الفصام والصرع وما شابهها، بالإضافة إلى دور هذه الأضرحة في طلب التدخل لدى (الحضرة الإلهية) لترفع عنهم الظلم وتبعد عنهم الضيم – تعالى الله عما يقولون - ، والقيام بالسياحة الدينية بما تعنيه هذه الأماكن من خزانات للقداسة، وتعتبر المواسم الأكثر ملاءمة للظفر بهذه النفحات القدسية والحصول على بركة الولي18. 
4- الانحرافات السياسية
و إذا كان الاختلاف قد ظل سيد الموقف بخصوص إثبات أو نفي ما قد يصطلح عليه بالانحرافات السياسية عند بعض الطرق الصوفية بالمغرب، فإن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للبعض الآخر من هذه الطرق، دون أن تفوت الفرصة للتأكيد على حقيقة تاريخية قد سبق أن أشرنا إليها سابقا، مؤداها أن الزوايا بالمغرب علاوة عن أدوارها التربوية كانت تضطلع في بعض المناسبات بمهام مرتبطة بمواجهة الخطر الأجنبي وإصلاح ذوي السلطة، وفي مناسبات أخرى بالخروج عن السلاطين ومعونة الاستعمار.
أ- الثورة على السلاطين 
يشير الباحث الهادي الهروي إلى أن الزوايا لم تقم بدور الوساطة والتحكيم ومؤازرة المخزن فقط بل كانت جبهة قوية لمعارضة الجهاز المركزي، خاصة وأنها استقطبت عددا هائلا من الأتباع، وهو الشيء الذي تعكسه الزاوية الدرقاوية التي أصبحت لها أكثر من أربعين ألفا من الأتباع في ظرف وجيز 1728-1785، ودخلت بذلك لعبة الاصطدامات السياسية معتمدة في ذلك على المقدس والرأسمال الرمزي، الأمر نفسه حصل بالنسبة للزاوية الشرادية – يؤكد الباحث- التي ألحقت بالمولى سليمان هزيمة نكراء عندما أعلن مناصرته لقبائل الرحامنة ضد قبائل الشراردة، ومن أهم تمردات الزوايا،ينقل الباحث،هزم مولاي العربي الدرقاوي( الزاوية الدرقاوية) للمخزن سنة 1818، وقتل ابن السلطان المولى إبراهيم، وحصار مكناس من قبل أبو بكر أمهاوش، وتمرد الدرقاوي بوعزة الهبري في نواحي وجدة وتازة ، ومهاجمة الشريف الدرقاوي لمدينة فاس في 25 ماي 1912.... ومعارضة الزاوية الدلائية لمخزن المولاى اسماعيل. 
أما زاوية تازروالت فقد ظلت إمارة مستقلة لمدة طويلة ولم تعترف بسلطة المخزن إلا تحت ضربات حركات المولى الحسن الأول خلال سنة 1882-1886، قبل أن يجري تعيين شيخها ابن الحسن بن هاشم قائدا.
ولعل من أهم الطرق الصوفية التي خاضت غمار المعارضة السياسية الدينية ضد المخزن- يرى الهروي- الطريقة الكتانية التي رأت أن المخزن قد أصبح عاجزا على مواجهة الظروف المأساوية التي عرفها المغرب، وتزايد عجزه على ضبط الأحوال الداخلية، وقد اتخذت هذه الطريقة ذريعة التحالف مع الكلاوي19.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد من الانحرافات السياسية بل تعداه إلى إيواء الأمراء والمتمردين كما حصل للزاوية امهاوش مع المولى يزيد الذي ثار ضد أبيه 1792-1790وتحريض القبائل ضد السلاطين والمخزن كما هو الشأن بالنسبة لأبي بكر أمهاوش سنة1818، الذي كان قد سعى إلى تأليب قبائل السهلية ( قبيلة كروان وزمور)20. 
هذا الوضع حمل بعضا من رجالات الطرق الصوفية على معاتبة السلوكيات المناهضة للسلاطين التي كان ينهجها البعض الآخر، ومن شواهد ذلك ما ساقه الباحث أحمد الطريبق بشأن الزاوية الدلائية التي اضمحلت مع مرور الزمن بفعل عوامل سياسية لتندمج في كل من الزاوي الفاسية بفاس والزاوية الناصرية، يقول الباحث إننا نستحضر نتفا من المراسلة السياسية الصوفية التي جرت بين احمد بن عبد القادر التستاوي، وبين آخر ثائر ينحدر من سلالة الزاوية ( يقصد الزاوية الدلائية)، وهو أحمد بن عبد الله الدلائي، وكان يومها يمثل الصيحة الأخيرة، من جيش الفلول، على عهد التوطيد والتـأسيس، في ملك السلطان اسماعيل. 
هكذا ينقل الباحث عن التستاوي قوله" ولا أرضى لك ملك الدنيا بحذافيرها، بل بكلمة من كلماتك في هذه الوصية تساوي جميع زخارفها، ثم إن كنت صادقا فعلامته أن تستعمل في أحب لك من النسك، وتجنب ماتراودك به نفسك من الملك..".21
ب - معاونة الاستعمار
استعان الفرنسيون في احتلال المغرب ببعض شيوخ الزوايا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر كالدعم الذي قدمه الشيخ الحاج العربي الوزاني، والزاوية التجانية، والزاوية الوزانية والدرقاوية مع بعض الاستثناءات، قبل أن تعود هذه الزوايا لتعلن عن قطيعتها مع الفرنسيين وتأييدها للمخزن مجددا وتحارب من ثم إلى جانبه، مما جعل مواقف هذه الزوايا تكتسي طابعا من الغموض والثنائية الصارخة في التعاطي مع الخطر الأجنبي والتهديدات الخارجية. 
وهو ما تحيل إليه الشواهد التاريخية من كون زوايا أخرى جاهدت إلى جانب الدولة السعدية لمواجهة الخطر البرتغالي ورد العدوان الإسباني على مدينة تطوان، كما هو الشأن بالنسبة للزاوية الريسونية 22. 
ويذكر علال الفاسي كيف أدارت سلطات الحماية ظهرها لبعض شيوخ الزوايا بعد ما قضت منها حاجتها ووقع الاحتلال.
يقول علال الفاسي إن السلطات الفرنسية التي شجعت الطرقية في عهد المقاومة المسلحة المغربية لأنها كانت تجد من أغلب المشايخ تأييدا وعضدا، لم يعد يهمها أمرهم شيء بعد أن تم الاحتلال العسكري الكامل لكل أنحاء البلاد سنة ،1934 بل إنها قلبت لذوي الشخصية البارزة منهم ظهر المجن، إذ هي تعرف أن تأييدهم لها لم يكن طبيعيا ولا متفقا مع العقيدة الدينية التي ينتسبون لها، ولم تستثن من ذلك- يقول علال الفاسي- إلا فردين هما عبد الحي الكتاني والحبيب الفيلالي، فقد احتفظت معهما برابطة متينة لأنها كانت تعلم بغض الأمة لهما وأنهما غير قادرين على التجول في أي بقعة من بلاد حماية الفرنسيين، وفي نفس الوقت كانت تعلم أنهما كاملا الارتداد لا يتأخران عن بذل أي تصريح لتأييدها في أي وقت كان.
ويؤكد علال الفاسي مساعي الفرنسيين لاستمالة المزيد من شيوخ الزوايا فيقول: وحينما حالت الحرب الكبرى لم تجد فيهما غناء ولم يجدها اتصالها بهما شيئا (عبد الحي الكتاني والحبيب الفيلالي)، فاضطرت إلى أن تخلق من جديد مشايخ يستكتبون لها المتطوعين في الجيش لتأييد حكومة "فيشي"، وهكذا أسست طريقة سمتها الطريقة العالية يرأسها شخص اسمه عبد العالي أمدته بكل ما يمكن من المال لبناء زاويتين كبيرتين بالرباط والدار البيضاء، كما حاولت اصطناع غيره من أمثاله فهاجت السلفية حينئذ وتقدمت لتشرح للشعب حقيقة الحال. 
ومن الشواهد التي يسوقها علال الفاسي للتأكيد على مقدار استهزاء واستغلال الفرنسيين لعاطفة التدين في صفوف المغاربة، أن مراقبا فرنسا بمدينة إيفران.. أراد أن يركز السكان المغاربة الموجودين في الناحية في حي قريب من المدينة الأوروبية التي أسست حديثا ( يقصد زمنه) فرأى من الضروري تأسيس زاوية ومقبرة.. وبعد أن أتم بنائها على أفخم ما يكون( ومعها المقبرة) فكر في أن الإقبال على الدفن بالمقبرة لن يقع إلا إذا كان تضم رفات واحد من أولياء الله فقد انتظر حتى مات أحد الشواش( الفراشين) بالإدارة الفرنسية فأقام له جنازة كبرى ودفنه في الضريح و بنى عليه قبة ضخمة وعمدة باسم ( أبي دقيق) وكلف من يكتب عن مناقبه رسالة وزعها في القبيلة ثم أرغمها على أن تقيد مولدا تذبح فيه الذبائح وتهدى النذور، كل ذلك ليحمل المغاربة على الدفن في الضريح....
وقد انزعجت القبيلة –يضيف علال الفاسي- لهذه الأساليب وتوجه وفد من السلفيين بها إلى جلالة الملك يخبرونه بتفاصيل الأمر فانتقل بنفسه لعين المكان وتأكد من صدق ما روى له الوفد السلفي.. فما أصبح الصباح حتى وجد المراقب صنمه قد هدم . 
وذكر علال الفاسي كيف أن الإدارة الدولية في طنجة تستغل موسم السيد البقالي المعروف بأبي عراقية لتقيم باسم الدين معرضا لأنواع المخازي والفضائح الخلقية والاجتماعية معتبرة ذلك وسيلة من وسائل الدعاية للمدينة وجلب السائحين إليها23.
5- الانحرافات الاقتصادية
وحظيت الزوايا- خاصة الكبرى منها- عبر التاريخ الطويل بالرعاية والدعم الماليين، من خلال الامتيازات والهبات والإقطاعيات.
وفي هذا الصدد يذكر الباحث الهادي الهروي أن بعض رؤساء زاوية القناطرة بناحية القصر الكبير قد نالوا امتيازات ضريبية وإقطاعات أرضية بظهائر، منذ أمد بعيد، مثل ظهير السلطان السعدي سنة 1586، الذي خص رؤساء تلك الزوايا بعائدات الضرائب الدينية( الزكاة والعشور)، وبـ (حكرة المنتوج الفلاحي للأرض)، واحترام طرق الزواية. وقد جدد ظهير المولى إسماعيل ( 1673) هذه الامتيازات، وأضاف إليهم عزيب الدشر برجاله الذين يعملون به. 
أما ظهير 1719، فقد منح به مولاي إسماعيل إقطاعيات لفقيهين من الزاوية تمتد على ما قدره ثلاثين"زوجا" من أراضي المخزن، يختارانها في مكان يحددانه بنفسيهما، وعشر زوجات من ملكية سكان "القصر" ( مدينة القصر الكبير).
وقد أكد (مولاي عبد الله وسيدي محمد بن عبدالرحمن والمولى عبدالرحمن والمولى سليمان) للقناطر هذه الامتيازات، إلا أن هذه الامتيازات ستتراجع فيما بعد لاعتبارات سياسية.
ويشير الهادي الهروي إلى أن الزاوية المصلوحية بضاحية مراكش قد نالت هي الأخرى امتيازات الإعفاء الضريبي وإقطاعات أرضية وحصص من الماء وظهائر التوقير والاحترام، وقد قدرت الممتلكات العقارية للزاوية المصلوحية، حسب إحصاء 1876م الذي حدد ممتلكات المخزن بـ 1500 هكتار24.
ومن الشواهد التاريخية التي تسلط الضوء على المطامع الاقتصادية لبعض الزوايا والطرق الصوفية بالمغرب باعتبارها وجها من أوجه الانحراف، تلك التي ساقها باحثون مغاربة كإبراهيم حركات ومحمد ضريف ومحمد بوسلهام.
فقد كان شيوخ الزوايا منذ ما قبل القرن 19 شديدي الاهتمام بمسألة الإعفاءات التي تخولها لهم الظهائر، ومن ذلك الزوبعة التي أثارها أبناء المسمى خالد المصمودي في وجه السلطان السعدي محمد الشيخ الذي أمرهم بدفع الخراج على الأرض قبل أن يتم التوقيع على ظهير مكتوب يحدد كل طرف وواجباته. أما "الريسونيون" فقد حصلوا على مكافئة هامة تمثلت في الأرض التي دارت عليها معركة الملوك الثلاثة نظير بدر العطاء إلى جانب الجيوش السعدية خلال هذه المعركة، المسلسل نفسه سيتكرر مع الزاوية الدرقاوية التي أغدق عليها المولى إسماعيل بالامتيازات التي تجلت في الإعفاءات من خلال ظهير لهذا السلطان، والزاوية الوزانية التي صار نفوذها الاقتصادي يتجاوز المغرب باتجاه السودان، والزاوية الناصرية خلال القرن 17 التي كانت تعد سوقا تجاريا للتبادل والبيع والابتياع وممرا استراتيجيا لسفن الرمال القادمة من أعماق السودان، والزاوية التجانية التي منحها المولى سليمان بناية جاهزة لإقامتها، فضلا عن حقوق تسيير الأراضي والاحتفاظ بالأعشار والزكوات وتوقيع اتفاقات تجارية مع الأجانب. 
هذه الوضعية ستخلق في ما بعد حالة من البوار والكساد لخزائن الدولة ووضعا مترديا لماليتها25.
وقد كانت الموارد المختلفة للزوايا تدر على المشرفين عليها أموالا طائلة جعلها عرضة لانتقادات الفقهاء وبعض شيوخ الزوايا الأخرى.
فهذه زاوية أبي الجعد كان بإمكانها خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر إطعام ما يقرب الألف شخص على مدى سنة كاملة من خلال ما تجمعه في ظرف أسبوعين فقط، كما أن الزاوية الناصرية بتمكروت كانت سنة 1847 عبارة عن قصر كبير مسور يأوي ما يناهز 2500 نسمة26 .
6- مواجهة السلاطين لانحرافات الزوايا
ولئن كان معظم السلاطين المغاربة قد حاربوا البدع والخرافات وانحرافات الزوايا، على اختلاف بينهم في قوة المواجهة، فإن دعوة السلطان المولى سليمان الذي تأثر بالحركة الوهابية في المشرق تظل الأقوى بينهم بل والمنشأ لحركات إصلاحية ستأتي فيما.
وإلى ذلك يشير علال الفاسي في كتاباته27 ، من أن الحركة السليمانية شكلت بداية قومية لتنبيه الوعي الإسلامي والاجتماعي في نفوس المغاربة أجمعين إلى أشكال الانحرافات عن السنة النبوية العطرة.
فعندما لمس المولى سليمان الآثار الوخيمة لانحرافات الطرقيين- يقول علال الفاسي- دعا إلى العودة للسلفية الأولى ومقاومة الطرق وتشعباتها واستجاب للروح الحنبلية التي كان سلفه السلطان محمد بن عبد الله أول المعنيين بنشرها والدعوة إليها..
وقد كان للرحلة الاستطلاعية التي قام بها الأمير إبراهيم بن سليمان إلى الحجاز لأداء فريضة الحج سنة 1226 بإيعاز من والد المولى سليمان، الذي أكد عند عودته أن الحركة الوهابية ليست شيئا غير ما يرمي إليه المصلحون من تطهير العقيدة وتطبيق الشريعة، كان لهذه الرحلة- يؤكد علال الفاسي- أثرها في تشجيع المولى سليمان على مواصلة كفاحه ضد المتمشيخين والمفتقرة كما يسميهم، فظل يوجه الرسائل لتقرأ على المنابر في سائر مساجد المغرب يتحدث فيها عن متصوفة الوقت ويحذر الناس فيها من الخروج عن السنة والتغالي في البدعة، كما يشرح آداب زيارة الموتى ويحذر من تغالي العوام في ذلك مغلظا القول. 
وواصل جميع الملوك الذين تعاقبوا على عرش المغرب الدعوة إلى السلفية في كل تصرفاتهم ولكنهم لم يستطيعوا في الواقع أكثر من التخفيف من وطأة الخرافة على العلماء ورجال الدين، ولعل ذلك راجع لكونهم لم يتعدوا فيما فعلوه أسلوب الوعظ والإرشاد ومنع بعض المراسيم التي كانت تتسم بالمغالاة.28. 
ويسوق علال الفاسي تلك الانتفاضة التي سجلها جلالة الملك محمد الخامس ضد الزاوية العالية التي أسسها الاستعمار فيقول:" وقام جلالة الملك قومة الملك المخلص بمجرد ما علم باستغلال عبد العالي هذا الدين والتصوف في سبيل خدمة غايات استعمارية بغيضة، وانتهى الأمر بأن أصدر جلالة السلطان أوامر للمحكمة الشرعية بالرباط لتنظر في شأن عبد العالي المذكور، وبعد أن استعملت المحكمة كل الإجراءات الشرعية أصدرت قرارها بضرورة إقفال الزوايا العالية واستتابة رئيسها من دعواه الخرافية، وأرسل جلالة الملك لباشا الرباط فأقفل الزاوية العالية كما أقفل باشا البيضاء( مدينة الدار البيضاء) الزاوية الأخرى، ثم أرسل جلالة السلطان مرسوما بمنع تأسيس أية طريقة جديدة بغير إذن من جلالته الخاص وعدم جواز إعطاء هذا الإذن إلا بشروط تدخل في إطار ما اشترطه العلماء والشيوخ المريدون، كما يقتضي هذا المرسوم منع الشيوخ الموجودين من تأسيس أية زاوية بغير إذنه.
وقد أدى صدور هذا المرسوم سنة 1946 إلى قيام أزمة شديدة بين الإقامة الفرنسية والقصر الملكي، ولكن الملك صمم على تطبيق المرسوم على الرغم من رفض السلطة الفرنسية نشره بالجريدة الرسمية المغربية 29. 
ولم تقف مبادرات الملك محمد الخامس- يؤكد علال الفاسي- عند هذا الحد بل لقد أصدر عدة أوامر بمنع خروج الطوائف العيساوية والحمدوشية على الصفة التي كانوا يخرجون بها، ثم منع إقامة مواسمهم إلا في أضيق دائرة ممكنة وتحريم النحائر التي تقدم للصالحين في مختلف المناسبات التي تحيي فيها ذكراهم بكيفية لا يرضون عنها، وانتشرت الدعوة في الأوساط الشعبية إلى حد أن الأمة بدأت تقيم الأفراح وتزين الأسواق كلما صدر مرسوم ملكي بمنع بدعة من هذه البدع ومحوها من الوجود.
وعلى الرغم من المحاولات التي بذلتها الإدارة الفرنسية بخلق حركة رجعية أو المشاغبة على هذه الأعمال الإصلاحية فإن استجابة الأمة لدعوة الإصلاح كانت تعفى على كل الدسائس والأغراض، بل الدعوة تسربت حتى إلى كثير من رجال الطرق المخلصين فقروا العدول عن بعض البدع التي تبين لهم أنها ليست من الدين ولا من الطرقة في شيء، فأصدرت الطريقة التجانية تعليمات بمنع الرقص في زواياها وفعلت ذلك الطريقة الخلوتية بفاس مكتفية بقراءة أورادها في صمت وهدوء 30.
7- دور الحركات الإصلاحية
جسدت الحركة السلفية الإصلاحية بالمغرب استمرارا لإرث سلطاني في مواجهة الزوايا كما يذكر ذلك علال الفاسي أحد رجالات السلفية من الجيل الثاني للوطنيين المغاربة. علال الفاسي عرض مصارعة العلماء المصلحين للزوايا مع نهاية القرن 19م، وبداية القرن 20، وقسمهم إلى أسماء من الجيل الأول وتضم أبي شعيب الدكالي ومولاي محمد بالعربي العربي ثم محمد غازي، وأسماء تنتمي إلى الجيل الثاني وعلى رأسهم هو( علال الفاسي)، دون أن يلغي الدور الذي كان يضطلع به رواد الفكر السلفي خارج الإطار التاريخي للمغرب 31.
فهذا أبي شعيب الدكالي وبرغم ما قيل عنه من تعاونه مع سلطات الحماية، كان قد جمع حوله عددا كبيرا من الشباب النابغ يوزعون الكتب التي يطبعها السلفيون في مصر ويطوفون معه لقطع الأشجار المتبرك بها والأحجار المعتقد فيها، أما تلميذه محمد بلعربي العلوي فقد شكل نقطة تحول في أشكال المواجهة والصراع مع الزوايا ، ويجسد بذلك منهجا جديدا انطبع بما أسماه علال الفاسي بالسلفية الجديدة 
وكان محمد بالعربي العلوي متعاطفا مع الزاوية التجانية، إلى أن قرأ مجلة المنار التي كان يديرها رشيد رضا ، وكتب ابن تيمية ، فتحول بذلك إلى داعية سلفي بالمغرب والتصق اسمه حينها بالثورة على الخرافة والبدع.
وكان محمد بالعربي العلوي يسخر من أرباب الزوايا أو الذين يلجأون إلى الأضرحة أو يربطون أنفسهم بورد عن إمام أو شيخ.. وقد ربط العربي العلوي بين التخلف العقلي والديني والاستعمار ومسؤولية الطرقيين عن ذلك، فكانت دروسه بمثابة مواجهة ضد الطرقيين والزوايا والطوائف التي كانت تشوه سمعة المغرب الحضارية والإسلامية من جهة ، ومواجهة الاستعمار من جهة ثانية32.
ولعل من بين المرتكزات التي قامت عليها دعوة العلماء، تلك التي تمثلها محمد بلحسن الوزاني أحد رجالات النخبة الوطنية كمبررات لتحديد موقفه من هذه الزوايا، فهي بالنسة إليه منافقة وخادعة وماكرة ومشعوذة، تعيش عالة على المجتمع، تستنفع دون أن تنفع، فهي بذلك دور للرقص والطعام لا يعترف لها بالوجود لأن الإسلام لا يعترف بالوساطات بين الله والعباد، كما أنها معينة للاستعمار.
وواصلت النخبة المغربية إبان الاستعمار الفرنسي – يقول علال الفاسي- نشر فصولها السلفية ومحاربة خصومها في صحف تونس والجزائر والمغرب خاصة مجلة شهاب التي كان يصدرها صديقي المرحوم الشيخ عبد الحميد بن باديس. 
وقد ألفت في ذلك كتب عديدة تفضح خيانات بعض الطرق الصوفية، وبذلك أضحت هذه الحركة عملا موازيا للكفاح الذي قام به المجاهدون في الجبال . 
وتبع هذا الإصلاح تجديد في أسلوب الوعظ والخطابة الدينية فاستفادت اللغة العربية منه وانبعثت الأحاديث الصحيحة وأخبار السلف النقية من مرقدها لتحل محل الخرافات والمناقب التي كان الوعاظ يغربون في جمعها وابتكارها تملقا للجمهور وتحببا للناس المصدر 33.

8- إضاءات

وفي خضم الاتهامات التي وجهت لبعض الطرق الصوفية خاصة ما تعلق منها بدعمها للاستعمار والتطلع إلى السلطة والتعلق بالكرامات، كانت تنبري بين الفينة والأخرى كتابات تدفع هذه التهم وتدعو إلى ضرورة عدم تعميم الأحكام، ومن ذلك إثبات أن الطرق الصوفية ابتعدت عن الخصومات والصراعات والرهانات السياسية والتصقت بالمقابل بهموم المجتمع وظلت تضطلع بأدوارها التربوية والدينية والتعليمية.
وفي هذا الصدد يقول حسن السباعي الإدريسي : ( إنه منذ ما يناهز الأحد عشر قرنا وطيلة هذه المدة كلها لم يسبق لأحد من شيوخ الطرق أن سعى إلى الوصول إلى السلطة ولا أن اختلف مع أحد حول ذلك، لأن هدفها كان ولازال هو التربية الروحية وتوجيه القلوب إلى ربها – بحسب قوله -).
وينقل الكاتب أن ( الرجال الذين سلكوا الطريقة وشهد لهم التاريخ بإشعاعهم المغربي والإسلامي كان لهم دور رائد في نشر الإسلام في كافة أصقاع الدنيا وبالخصوص في إفريقيا، حيث نشروا الدين الحق، واستطاعوا ترسيخه في قلوب الأفارقة ووجدانهم، مما منع الصليبية من أن تنجح في تنصريهم34).
وينقل الكاتب ( الدور الوطني للطرق الصوفية في مواجهة الاستعمار بقوله" اتخذ البعض من الافتراء على الماضي ومحاولة طمس وتزوير الحقائق التاريخية وسيلة للبلبلة والتشويش على الحاضر، واعتادوا كلما دار الحديث عن الخيانة والخونة، إحياء خطاب يدعي أن الطرق الصوفية تعاملت مع الاستعمار متنكرة بذلك لمشاعر المغاربة ولتعلقهم بلادهم، وهذا يدفع إلى الدهشة والاستغراب خصوصا حين نرى نفس الأوساط لا تتحدث أبدا عن الجهات التي ارتبطت فعلا بالاستعمار والتي استفادت من امتيازاته وعملت على رعاية مصالحه. ويعلم أصحاب هذه الاتهامات أكثر من غيرهم- يزيد الباحث- صدق رجال التصوف وحسن نيتهم وغيرنهم على وطنهم وتزعمهم حركات المقاومة لحماية الوطن ومواجهة فلول المعتدين على إحياء الدين الحق، وإيقاظ الهمم بذكر الله تعالى وبالسير على نهج نبيه الكريم)- بحسب قوله -
خاتمة: 
مثلما أشرنا إلى ذلك في مقدمة المقالة، فإن تحليلنا انصب على الجانب السلبي من تجربة التصوف بالمغرب الأقصى، وهو ما لم ينكره حتى أهل التصوف أنفسهم، وإلا فإن هذه التجربة جديرة بالدراسة والتحليل من جميع جوانبها لأخذ صورة كاملة عن تأثيرها في جميع مناحي الحياة وتداعياتها على الحقول الأخرى إن في الفترات التاريخية الماضية أو في التاريخ المغربي الحديث أو في الوقت الراهن. 
ومن منطلق السياقات الآنفة يصير من الأهمية بمكان أن نستشرف مستقبلا جديدا للصوفية بالمغرب في ضوء ما كتب خلال الفترات القليلة الماضية من أهل التصوف أنفسهم عن ضرورة بعث تصحيحي ورؤية متجددة لهذا التصوف.

المراجع:

1- عبد الله بن عتو "التصوف المغربي من عمق السياق إلى قوة الرمز" مجلة مناهل 2007
2- محمد جنبوبي " الأولياء بالمغرب" ص10.
3- عبد الغني منوديب "الدين والمجتمع دراسة سوسيولوجية للتدين بالمغرب" ص 83إلى 85 .
4- الهادي الهروي: القبيلة، الإقطاع والمخزن مقاربة سوسيولوجية للمجتمع المغربي الحديث ص211إلى215.
5- شهدت معظم الكتابات التاريخية لهؤلاء بزهدهم وتقواهم ومقاومتهم للأجانب.
6- عبد الغني منديب مرجع سابق ص152.
7- محمد جنبوبي "انظر التفاصيل في فصل كامل من كتاب الأولياء".
8- منى الحسن: الزوايا بالمغرب بحث لنيل الإجازة من جامعة محمد الخامس الرباط دون تأريخ ص25.
9- الزوايا بالمغرب مرجع سابق ص9إلى11
10- عبد الله بن عتو مرجع سابق ص301
11- عبد الله بن عتو مرجع سابق ص305.
12- محمد جنبوبي م س ص23)
13- محمد جنبوبي م س ص26
14- الهادي الهروي مرجع سابق ص174.
15- محمد جنبوبي مرجع سابق ص41.
16- عبد الغني منديب مرجع سابق ص150.
17- عبد الغني منديب مرجع سابق ص151
18- عبد الغني منديب المرجع السابق154-157.
19- الهادي الهروي ص123-126).
20- الزوايا بالمغرب مرجع سابق الصفحات43-44.
21- أحمد الطريبق "الزوايا الصوفية مصدر لإشعاع الخطاب" مجلة مناهل وزارة الثقافة 2007 ص 319.
22- الزوايا بالمغرب م س ص45).
23 علال الفاسي "الحركة السلفية بالمغرب" مجلة المناهل 2007 وزارة الثقافة ص412-415.
24 – الهادي الهروي مرجع سابق ص173.
25- الزوايا بالمغرب مرجع سابق 30-33).
26- الزوايا بالمغرب مرجع سابق 30-33 .
27- علال الفاسي "الحركة السلفية في المغرب" مجلة مناهل 2007 ص 401-402
28- علال الفاسي المصدر نفسه ص403.
29- علال الفاسي المرجع نفسه( ص413-414)
30- علال الفاسي المرجع نفسه ص410
31- نور الدين الطاهري "الزوايا والحزب" ص61.
32- نور الدين مرجع سابق ص61- 63-64
33- علال الفاسي مجلة مناهل ص410-411
34- لحسن السباعي الإدريسي "حول التصوف والمجتمع" ص 58-60 منشورات الإشارة مارس 2007

************
نقلا عن:
http://www.almoslim.net/node/85940

الأربعاء، 28 يناير 2015

مؤلفات العائلة الناصرية

مؤلفات العائلة الناصرية

مؤلفات ناصرية - مؤلفات أساتذة مدرسة الزاوية الناصرية
كتاب الدرر المرصعة بأخبار أعيان درعة


 موقع دار الكتب الناصرية عن مؤسسة الملك عبد العزيز - البيضاء
الجزء الأول : 
تحميل 
الدرر المرصعة بأخبار أعيان درعة
موقع دار الكتب الناصرية عن مكتبة الملك عبد العزيز - البيضاء
الحزء الثالث
تحميل 
الدرر المرصعة بأخبار أعيان درعة

 موقع دار الكتب الناصرية عن مؤسسة الملك عبد العزيز - البيضاء
 الجزء الثاني
تحميل
كتاب الرحلة الناصرية

اسم الكتاب: الرحلة الناصرية
تأليف: الشيخ أحمد بن محمد بن ناصر الدرعيالناشر: المطبعة الحجرية - فاس - 1320عدد الأجزاء: 2عدد الصفحات: 248 - 200الحجم: 16.7 mb
الرابط:تحميل
 نبذة عن المؤلف مأخوذة من الجزء 4 من كتاب موسوعة أعلام المغرب لمحمد حجي:
تحميل

الأجوبة الناصرية - سيدي امحمد بناصر الدرعي 
بيانات الكتاب:
اسم الكتاب: الاجوبه الناصريه
اسم المؤلف: ابن ناصر الدرعي ، محمد بن محمد
التصنيف: المذهب المالكي ، فقه المذاهب الاسلاميه
النوعيه: scannedB-ق 189
المصدر: ksu.edu.sa

الأجوبة الناصرية في بعض مسائل البادية
الأجوبة الناصرية في بعض مسائل البادية للشبخ العلامة ابي عبد الله محمد بن محمد بن أحمد، ابن ناصرالدرعي(1011 - 1085 هـ = 1603 - 1674 م)
من صلحاء المالكية وعلمائهم في المغرب , كانت له زاوية وأتباع كثيرون. وهو الممدوح بالقصيدة (الدالية - ط) لليوسي.كان من أهل درعة (قرب سجلماسة) وهو أستاذ العياشي صاحب الرحلة.

تحميل  - تحميل 2  - تحميل 3

كتاب الإستقصا لأخبار المغرب الأقصى


الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى للشيخ أحمد بن خالد الناصري السلاوى المغربي المالكى المورخ المتوفى سنة 1315 هـ
ــــــــــــــ
طبعة دار الكتاب الدرالبيضاء المغرب سنة 1954 

التحميل :
الجزء الأول -  الجزء الثاني  - الجزء الثالث  - الجزء الرابع  - الجزء الخامس -
 الجزء السادس  - الجزء السابع -





الدعاء الناصري

بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد الصادق المصدق الغني على الإطلاق أفضل من نطق بالحق صلاة ننال بها الأمن يوم يفصل بين الباطل و الحق.

هذا التوسل نفحة إلهية، جامعة لكل ما يخطر ببال العبد المتعبد من آلام وآمال، وهو تحفة أدبية بليغة من أروع ما توجه به رجال الله إلى الله .
يَـــا مَـــنْ إلَـــى رَحْـمَـتِـهِ الْـمَـفَرُّ   وَمَــــنْ إلَــيْــهِ يَـلْـجَـأُ الْـمُـضَّـطَرُ
وَيَـــا قَــرِيـبَ الْـعَـفْوِ يَا مَــوْلاَهُ      وَيَـــا مُـجِـيـبَ كُـــلِّ مَـــن دَعَــاهُ
بِــكَ اسْـتَـغَثْنَا يَــا مُـغِيثَ الـضُّعَفَا   فَـحَـسْـبُنَا يَـــا رَبِّ أَنـــت وَكَـفَـى
فَـــلاَ أَجَـــلَّ مِــن عظيم قُـدْرَتِـكْ    وَلاَ أَعَـــزَّ مِــنْ عَـزِيـزِ سَـطْـوَتِكْ
لعز مُـلْـكِـكَ الْـمُـلُوكُ تَـخْـضَعُ    تَـخْفِضُ قدر مَـن تَشَاءُ وَتَرْفَعُ
وَالأَمْــــــرُ كُـــلُّـــهُ إلَـــيْـــك رَدُّهُ   وَبِـــيَــدَيْــكَ حَـــلُّـــهُ وَعَـــقْـــدُهُ
و نحن قد رفعنا أَمْــرَنَــا إليك وَقَــــدْ شَــكَـوْنَـا ضَـعْـفَـنَا إلَــيْـكَ
فَـارْحَـمْنَا يَــا مَـن لاَ يَـزَالُ عَـالِمًا   بحالنا وَلاَ يَـــــزَالُ رَاحِــمــاً
وَانْـظُرْ إلَـى مَـا مَسْنَا من الْوَرَى   فَـحَـالُـنَا مِــن بَـيْـنِهِمْ كَـمَـا تَــرَى
قد قل وفرنا و قل جمنا     و انحط ما بين الجموع قدرنا
و استضعفونا شدة و شوكة    و ستنقصونا عدة و عدة
وَنَـحْـنُ يَــا مَــن مُـلْـكُهُ لاَ يُـسْلَبُ   لُــذْنَـا بِـجَـاهِـكَ الَّـــذِي لاَ يُـغْـلَـبُ
إلَـيْـكَ يَــا غَــوْثَ الـذَّلِـيلِ نَـسْـتَنِدْ   عَـلَيْكَ يَـا كَـهْفَ الـضَّعِيفِ نَـعْتَمِدْ
مِــنـكَ الْـعِـنَايَةُ الْـتِـي لاَ نَـرْتَـجِي    حِـمَـايَةً مِــنْ غَـيْـرِ بَـابِـهَا تَـجِـي
أَنـــتَ الَّـــذِي تَـهْـدِي إذَا ضَـلََـلْنَا    أَنــــتَ الَّــــذِي تَـعْـفُـو إذَا زَلَـلْـنَـا
يَـا وَاسِـعَ الإحْـسَانِ يَـا مَنْ خَيْرُهُ    عَـــمَّ الْــوَرَى وَلاَ يُـنَـادَى غَـيْـرُهُ
وَسِــعْـتَ كُــلَّ مَــا خَـلَـقْتَ عِـلْـمًا    وَرَأْفَــــــةً وَرَحْـــمَـــةً وَحِــلْــمًـا
وَقَـــــدْ مَــدَدْنَــا رَبَّــنَــا الأَكُــفَّــا    وَمِــنــكَ رَبَّــنَـا رَجَــوْنَـا الـلُّـطْـفَا
فَــأَبْــدِلِ الــلَّـهُـمَّ حَـــالَ الْـعُـسْـرِ    بِـالْـيُسْرِ وَامْـدُدْنَـا بِـرِيـحِ الـنَّصْرِ
وَاَجْـعَـلْ لَـنَـا عَـلَى الْـبُغَاةِ الْـغَلَبَهْ  وَاقْصُرْ أَذَى الشَّرِّ عَلَى مَنْ طَلَبَهْ
وَاَنْـصُـرْ حِـمَـانَا يَـا قَـوِيُّ نَـصْرا وَاقْـهَـرْ عِـدَانَـا يَــا عَـزِيـزُ قَـهْرا
وَاعْـكِسْ مُـرَادَهُمْ وَخَيِّبْ سَعْيَهُمْ  وَاهْـزِمْ جُـمُوعَهُمْ وَأَفْـسِدْ رَأْيَهُمْ
وَعَــجِّـل الـلَّـهُـمَّ فِـيـهِـمْ نِـقْـمَـتَكْ   فَــإنَّـهُـمْ لاَ يُــعْـجِـزُونَ قُــدْرَتَــكْ
وَكُــــنْ لَــنَــا وَلاَ تَــكُــنْ عَـلَـيْـنَـا   وَلاَ تَــكِــلْــنَـا طَـــرْفَـــةً إلَــيْــنَــا
يَـــا رَبِّ يَـــا رَبِّ بِـــكَ الـتَّـوَسُـلُ   لِــمَــا لَــدَيْــكَ وَبِــــكَ الــتَّـوَصُّـلُ
يَــــا رَبِّ أَنــــتَ رُكْـنُـنَـا الـرَّفِـيـعُ    يَـــا رَبِّ أَنـــتَ حِـصْـنُـنَا الْـمَـنِيعُ
يَــــا رَبِّ يَــــا رَبِّ أَنِـلْـنَـا الأَمْــنَـا   إذَا ارْتَـــحَــلْــنَــا وَإذَا أَقَـــمْـــنَــا
وَاَجْـعَـلْ بِـصَـادٍ وَبِـقَـافٍ وَبِـنُونْ    أَلْـفَـي حِـجَابٍ مِـن وَرَائِـنَا تَـكُونْ
بِــــــجَـــــاهِ لاَ إلَـــــــــــهَ إلاّ اللهُ   وَجَـــاهِ خَــيْـرِ الْـخَـلْقِ يَــا رَبّــاهُ
وَجَـــاهِ مَـــا بِـــهِ دَعَــاكَ الأَنـبِـيَا   وَجَـــاهِ مَـــا بِــهِ دَعَــاكَ الأَوْلِـيَـا
وَجَـــاهِ كُــلِّ مَــن رَفَـعْـتَ قَــدْرَهُ  مِـمَّـن سَـتَـرْتَ أَوْ أَشَـعْـتَ ذِكْـرَهُ
وَجَـــاهِ آيَـــاتِ الْـكِـتَـابِ الْـمُـحْكَمِ    وَجَــاهِ الاسْــمِ الأَعْـظَـمِ الْـمُـعَظَّمِ
رَبِّ دَعَــوْنَـاكَ دُعَــاءَ مَــن دَعَــا    رَبًّــا كَـرِيـماً لاَ يَــرُدُّ مَــن سَـعَـى
فَـاقْـبَلْ دُعَـاءَنَـا بِـمَحْضِ الْـفَضْلِ  قُـبُـولَ مَــنْ أَلْـقَى حِـسَابَ الْـعَدْلِ
وَامْــنُــنْ عَـلَـيْـنَـا مِــنَّـةَ الْـكَـرِيـمِ  وَاعْـطِـفْ عَـلَـيْنَا عِـطْـفَةَ الْـحَـلِيمِ
وَانـشُـرْ عَـلَيْنَا يَـا رَحِـيمُ رَحْـمَتَكْ  وَابْـسُـطْ عَـلَـيْنَا يَــا كَـرِيمُ نِـعْمَتَكْ
وَخِـــرْ لَـنَـا فِــى سَـائِـرِ الأَقْــوَالِ  وَاخْـتَـرْ لَـنَـا فِـي سَـائِرِ الأَحْـوَالِ
وَاجْـمَعْ لَـنَا مَـا بَـيْنَ عِـلْمٍ وَعَـمَلْ  وَاصْـرِفْ إلـى دَارِ الْبَقَا مِنَّا الأَمَلْ
وَانْـهَجْ بِـنَا يَـا رَبِّ نَـهْجَ الـسُّعَدَا    وَاخْـتِـمْ لَـنَا يَـا رَبِّ خَـتْمَ الـشُّهَدَا
وَأَصْــلِـح الـلَّـهُـمَّ حَـــالَ الأَهْـــلِ    وَيَــسِّـرْ الـلَّـهُـمَّ جَــمْـعَ الـشَّـمْـلِ
وَاقْــضِ لَـنَـا أَغْـرَاضَنَا الْـمُخْتَلِفَهْ  فِــيـكَ وَعَـرِّفْـنَـا تَــمَـامَ الْـمَـعْرِفَهْ
يَــا رَبِّ وَانـصُرْ دِيـنَنَا الْـمُحَمَّدِي  وَاجْـعَـلْ خِـتَـامَ عِــزِّهِ كَـمَـا بُـدِي
وَاعْفُ وَعَافِ وَاكْفِ وَاغْفِرْ ذَنْبَنَا  وَذَنْـــبَ كُـــلِّ مُـسْـلِـمٍ يَـــا رَبَّــنَـا
وَصَـــلِّ يَـــا رَبِّ عَـلَـى الْـمُـخْتَارِ  صَـــلاَتَــكَ الْــكَـامِـلَـةَ الْــمِــقْـدَارِ
صَــلاَتَــكَ الَّــتِــي تَــفِـي بِــقَـدْرِهِ   كَــمَــا يَــلِـيـقُ بِــارْتِـفَـاعِ ذِكْـــرِهِ
ثُـــمَّ عَــلَـى الآلِ الْـكِـرَامِ وَعَـلَـى  أَتْـبَـاعِـهِ الْــغُـرِّ وَمَــن لَـهُـمْ تَــلاَ
وَالْــحَـمْـدُ لــلــهِ الَّـــذِي بِـحَـمْـدِهِ   يَـبْـلُـغُ ذُو الْـقَـصْدِ تَـمَـامَ قَـصْـدِهِ
وقد جرب أنه ما توجه به عبدٌ إلى الله في حاجة إلا قُضِيَتْ ولو بعد حين. وسرُّ هذا التوسل أكبر من أن يذكر، وأكثر من أن يحصر، وله صُوَرٌ طويلة مختلفة مشهورة في الشمال الأفريقي.
ومن مميزاته الأخرى أنه دعاء خالصٌ لله لا وسيلة فيه لبشر، فلا خلاف على التعبد به، ولا جدال على مبناه ولا معناه.
وصاحب التوسل هو مولانا العَلاَّمة الفقيه الْمُحدِّث المؤرخ سيدي محمد بن محمد بن أحمد بن الحسين بن ناصر الدرعي المغربي أشهر صوفية عصره وأبركهم، وهو درة البيتالناصري العريق بالمغرب الأقصى، كان شديد الاتباع للسنة في سائر أحواله وعاداته، أخذ عنه وتتلمذ على يديه خلق كثير ، وله أدعية أخرى وصلوات غير هذا التوسل، توفي سنة (1085 هـ) ، وقد خلفه في رعاية الزاوية والطريق ولده السيد أحمد .
عن موسوعة المسلم.
ملحوظة شخصية: كان الفرنسيون أيام استعمارهم للمغرب يعتبرون هذا الدعاء من المنشورات المحضورة و الخطيرة و كانوا يتجسسون على الزوايا و المساجد و يمنعون تلاوته ! سبحان الله ما الذي كان يخيفهم و يقلق راحتهم في هذا الدعاء؟!!

اللطيف

ألا يا لطيف يا  لطيف لك  اللطـف      فأنت اللطيف  منك  يشملنا  اللطف
لطيف لطـيف إنـنا  متوســـل      بلطفك فألطف بي  وقد نزل  اللطف
بلطفك لدنا يا لطيف وها نحـــن      دخلنا بساط اللطف وانسدل اللطف
نجونا بلطف الله  ذي اللطف  إنــه      لطيف لطيف لطفه  دائما  لطــف
تداركنا باللطف الخفي يـا سيـدي      فأنت الذي تشفي  وأنت الذي تعفو
أغثنا أغثنا يا لطــيفا بخلقـ ــه       إذا نزل القضاء يتبعه  اللطـــف
بجاه  إمام  المرسلين  محـمــــد      فلولاه عين اللطف  ما نزل اللطـف
عليه صلاة الله   ما قـــال منشد       ألا يا لطيف يا لطيف   لك اللطـف
أمتنا على الحسنى   وتبت قلوبنــا       وعند خروج الروح   يحضر لنا العفو


رابط للتحميل من هنا:
http://dar-alkotob.blogspot.com/2012/01/blog-post_1204.html

الأحد، 18 يناير 2015

شاركت بمداخلة في الموتمر المنظم حول الدكتور نصر أبو زيد في فهم القران

مؤتمر علمي يناقش منهج نصر حامد أبو زيد في فهم القرآن
الخميس 09/أكتوبر/2014 - 10:39 ص طباعةمؤتمر علمي يناقش

تنظم مؤسسة المفكر نصر حامد أبو زيد للدراسات الإسلامية في 10، 11 أكتوبر الجاري، مؤتمرها الأول بالقاهرة عن " التأويلية و نصر حامد أبو زيد" وأعماله التي يتناولها باحثون عرب وأجانب.
مؤتمر علمي يناقش
وقالت المؤسسة، في بيان لها، إن "المؤتمر سيستمر يومين، وسيشارك فيه باحثون، من بينهم السوداني مجدي عز الدين، والأردنية مريم السيد، والمغربي يوسف محمد بناصر، والجزائري عبد القادر حميدة، والتركي عثمان تاستان.
ويشارك من المصريين في المؤتمر كل من ابتهال يونس، وهاني المرعشلي، والشريف منجود، وطارق النعمان، وسلمى مبارك، وعماد أبو غازي وزير الثقافة الأسبق.
مؤتمر علمي يناقش
ويناقش المؤتمر قضايا منها "المنهج التأويلي عند نصر أبو زيد"، و"التطور الدلالي في القرآن.. بين تاريخية القدماء والنظريات الأدبية والتأويلية عند المحدثين"، و"حفريات في آليات التأويل.. بيير بورديو قارئا لنصر حامد أبو زيد"، و"سلمي مبارك.. خطاب التحريم والفن عند نصر حامد أبو زيد"، و"الفن والقرآن.. الرسم باللغة".
وتسعى مؤسسة نصر حامد أبو زيد، التي أعلن عنها عام 2011، إلى توفير الإمكانات البحثية لشباب الباحثين في مجال الدراسات الإسلامية، وتمنح جوائز سنوية لأفضل البحوث في مجال الدراسات القرآنية للشباب بداية من العام الجاري.
وتحمل المؤسسة اسم المفكر الراحل نصر حامد أبو زيد الذي ولد عام1943، وتخرج في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وأنهى حياته البحثية أستاذاً لكرسي ابن رشد للدراسات الإسلامية والإنسانية بجامعة الدراسات الإنسانية بأوتريخت في هولندا وتوفي عام 2010.
ونشر أبو زيد دراسات حظيت بالاهتمام وأثارت جدلاً واسعاً، ومنها "مفهوم النص.. دراسة في علوم القرآن"، و"النص.. السلطة والحقيقة"، و"التفكير في زمن التكفير"، و"المرأة في خطاب الأزمة"، و"دوائر الخوف في قراءة خطاب المرأة"، ونال أبو زيد جوائز في العالم العربي وخارجه، ومنها وسام الاستحقاق الثقافي من تونس وجائزة ابن رشد للفكر الحر في ألمانيا.
وتجدر الإشارة إلى أن مؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" قد شرعت في إعادة نشر الأعمال الكاملة للمفكر المصري الراحل نصر حامد أبو زيد، صدرت منها حتى الآن الكتب التالية: "التفكير في زمن التكفير"، و"فلسفة التأويل"، و"الاتجاه العقلي في التفسير"، و"إشكاليات القراءة وآليات التأويل"، و"الخطاب والتأويل"، و"نقد الخطاب الديني"، و"مفهوم النص"، و"دوائر الخوف"، و"النص والسلطة والحقيقة"، و"التجديد والتحريم والتأويل"، و"هكذا تكلم ابن عربي"، و"الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية".
أعمال المؤتمر :
أعمال المؤتمر :
اليوم الأول : الجمعة 10 أكتوبر
     الساعة العاشرة : التسجيل والافتتاح 
     الكلمة الافتتاحية : ابتهال يونس 
  استراحة 
الجلسة الأولي : 11 – 2  (استراحة من 12 – 1 لصلاة الجمعة )
رئيس الجلسة: ابتهال يونس 
المتحدثون : 
 هاني المرعشلي: التأويلية عند نصر حامد أبو زيد: مفاهيم واتجاهات 
 جمال عمر: القرآن وقراءته: تطور المفاهيم عند نصر أبو زيد 
 مجدي عز الدين: المنهج التأويلي عند نصر أبو زيد
 عثمان تاستان: On the Intellectual Reception and Influence of Nasr in     Academic Context of Turkey                            
استراحة الغذاء من 2 – 3 

الجلسة الثانية : 3- 5
رئيس الجلسة : أشرف البولاقي 
المتحدثون : 
 نادر عمر : التطور الدلالي في القرآن: بين تاريخية القدماء والنظريات الأدبية والتأويلية عند المحدثين 
 الشريف منجود: تأويل النص وتشكيل العقل عند نصر أبو زيد : دراسة في هرمنيوطيقا النص الديني 
 عبد الباسط سلامة هيكل: الجذور التراثية في تأويلية نصر أبو زيد 
 عبد القادر حميدة : حفريات في آليات التأويل : بيير بورديو قارئا لنصر حامد أبو زيد 

اليوم الثاني : السبت 11 أكتوبر 
الجلسة الأولي 10 – 2 تتخللها استراحة من 11.30- 12 
رئيس الجلسة : عماد أبو غازي 
المتحدثون : 
 سلمي مبارك: خطاب التحريم والفن عند نصر حامد أبو زيد 
 ابتهال يونس: الفن والقرآن. الرسم باللغة 
 مريم السيد:Rethinking the Quran: Comparative Study between Nasr Hamid abu Zaid and Muhammad Shahrour                               
محمود مراد: مفهوم التاريخية عند نصر أبو زيد 
استراحة الغذاء من 2- 3  

الجلسة الثانية 3-5 
رئيس الجلسة: طارق النعمان 
المتحدثون : 
 يوسف محمد بناصر:  إشكالية الإيمان : دراسة تأويلية في مشروع الأستاذ نصر حامد أبو زيد 
 محمد أحمد الصغير:  القراءات الحديثة للنص القرآني بين التأويل والإبداع في خطاب نصر حامد ابو زيد وطه عبد الرحمن 
 وائل النجمي: آليات الاشتباك في خطاب المساجلة : التفكير في زمن التكفير نموذجًا. 
 محمد جبريل: المرتكزات الاعتزالية  في مشروع أبي زيد التأويلي: قضية خلق القرآن نموذجا 

كلمة ختام المؤتمر والتوصيات

رابط الموقع:

http://www.islamist-movements.com/3616

الزاوية الناصرية والنسب الجعفري الزينبي المغربي وعلاقته بقبائل الجعافرة بجمهورية مصر ..

الزاوية الناصرية والنسب الجعفري الزينبي المغربي   وعلاقته بقبيلة الجعافرة بجمهورية مصر العربية ..